زرنا دولاً عظيمة، بلاد إندونيسيا فيها حوالي مائتين مليون مسلم، تسأل أين العلماء، فلا تجد إلا أفراداً معدودين، والله إن العيون لتبكي، وإن القلوب لتحزن، وإن النفوس لتتقطع أسى أن لا تجد في هذا البلد الطويل العريض، إلا عالماً واحداً جيء به على كرسي، لأنه رجل مسن وقد فقد كثيراً من قواه، وأمثاله أندر من الكبريت الأحمر في العالم، من لهذه الأمة؟ هل فعلاً سنظل ندور هكذا في حلقة مفرغة، ننتظر فلاناً و فلاناً، فإذا مات فلان نجلس نتفرج على بعض، إن الله تعالى لم يتعبدنا بانتظار شيء ينزل من السماء أو يخرج من الأرض فيما يتعلق بتكاليف البشرية، إنما تعبدنا الله تعالى بأن يقوم كل واحد منا بالواجب ، فالإسلام ليس مرتبطاً بأشخاص، فالأشخاص يذهبون ويجيئون، والإسلام دين الله عز وجل الذي تكفل بحفظه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ [9] { سورة الحجر . } فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَّيْسُواْ بِهَا بِكَافِرِينَ [89] { سورة الأنعام . } يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ [54] { سورة المائدة . } هَاأَنتُمْ هَؤُلَاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنكُم مَّن يَبْخَلُ وَمَن يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَن نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنتُمُ الْفُقَرَاء وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ [38] سورة الحديد . تحطمت على صخرة الإسلام تيارات، وأمم وجحَافل مُدجَّجة جرَّارة هادرة طمرت في التاريخ وبقى الإسلام شامخاً مرتفعاً، ولا يزال هكذا حتى يرث الله الأرض ومن عليها... لا يزال الله يغرس لهذا الدين غرساً يستعملهم في طاعته، ولا يترك الله عز وجل بيت مضر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الإسلام: بعز عزيز أو بذل ذليل، عزاً يعز به الإسلام، وذلاً يذل به الكفر، ومسكين ذلك الذي يقف في وجه الإسلام، الإسلام حركة الأمة ... حركة المجتمع ليس مقصوراً في زاوية أو في مسجد، ولا في فئة من الناس، الإسلام روح هذه الأمة، يكفيك في عظمة هذا الإسلام، وقوة تأثيره، وعمق رسوخه في الأمة: أنه حتى أعداء الإسلام أصبحوا يتمسحون به الآن، ويرفعون شعاره، ويدعون أنهم من أنصاره و أوليائه، وأنهم من أجله يسالمون، ومن أجله يقاتلون، كل ذلك يريدون من الأمة أن تمنحهم شهادة حسن سير وسلوك، هل نريد أكثر عزاً للإسلام من هذا ؟ هذه آية عظيمة على عز هذا الدين، وأنه روح هذه الأمة، وأن هذه الأمة باقية، وروحها باقية: روحها هذا الإسلام، ويجب أن يكون كل فرد منا ... كل فرد من المسلمين الأصل على ثغرة من ثغور الإسلام يحامي أن يؤتى الإسلام من قبله في ميدانه. الطالب في فصله ... والعالم في مختبرة ... والطبيب في عيادته ... والمعلم في مدرسته ... والداعية والإمام والكبير والصغير، يجب أن نجند أنفسنا جميعاً لخدمة هذا الدين، و لو تصورنا أن يستجاب لهذا الكلام وهذا الفهم مليون فقط، والله تتغير أوضاع الأمة بين يوم وليلة، لو شعروا بمسئوليتهم، فلا تنتظر أحداً يقوم بالمهمة عنك.... أحداً يؤدي الواجب عنك.... لا، أنت قم بما تستطيع، أقل ما تستطيع أن تقوم به هو أن تعد نفسك لتكون مؤثراً في المستقبل: بعلم شرعي صحيح، بدعوة صادقة، بحسن أسلوب، بصلة الناس، بعمل، بوظيفة، بأي أسلوب تستطيع أن تقدم خدمة لنفسك، لدينك من خلاله.
وهذا من أهم الوسائل التي تزيد من رسوخ هذا الدين في المجتمع، وعمقه ومتانته، وتجعل أي إنسان يحسب له ألف حساب قبل أن يوجه للإسلام وأهل الإسلام أي إهانة، لأنه يعرف هذه الأمة وغِيرة هذه الأمة، وشدة حرص هذه الأمة على دينها، وغضبها لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم ، أما أن نكون أصفاراً على اليسار، وأرقاماً بدون رصيد، وأمماً هائلة من حيث العدد لكن التأثير كما قيل:
ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأمرون وهم شهود