3.الوعي بقصور المناهج الوضعية البشرية -المخالفة لنصوص الوحي الإلهي- في التصورات, والقيم, والموازين, والأحكام، مهما بدت مزينة وبراقة، قال تعالى: (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً ) النساء (82) . مع الاعتراف بأنها قد تصيب الحق أو بعض جوانبه أحياناً, نتيجة لبقايا فطرة سليمة، أو عقل ونظر متجرد، كذلك الوعي بأن مصدر الشرور التي تعاني منها البشرية, مسلمها وكافرها, هو ابتعاد هذه المناهج عن مرجعية الإسلام الحق، قال تعالى: )ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ)"الروم:21"، وقال: )لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ)"الأنبياء:22"،
4.الإيمان بأن دين الإسلام هو دين العدل ، ومقتضى العدل التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين و يخطىء على الإسلام من يطلق أنه دين المساواة دون قيد؛ لأن المساواة المطلقة تقتضي أحياناً التسوية بين المختلفين، وهذه حقيقة الظلم، ومن أراد بالمساواة العدل فقد أصاب في المعنى وأخطأ في اللفظ، ولم يأت حرف واحد في القرآن يأمر بالمساواة بإطلاق، إنما جاء الأمر بالعدل، قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) النحل (9) ، فأحكام الشريعة قائمة على أساس العدل، فتسوي حين تكون المساواة هي العدل، وتفرق حين يكون التفريق هو العدل، قال تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لاَّ مُبَدِّلِ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) الأنعام (115) ، أي صدقاً في الإخبار، وعدلاً في الأحكام.
لذا فإن الإسلام يقيم الحياة البشرية والعلائق الإنسانية على العدل كحد أدنى، فالعدل مطلوب من كل أحد، مع كل أحد، في كل حال، قال تعالى: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) المائدة (8) . 5. في مجال العلائق بين البشر، تعتمد الجاهليةُ الغربية المعاصرةُ"الفرديةَ"قيمة أساسية، والنتيجة الطبيعية والمنطقية لذلك هو التسليم بأن الأصل في العلاقات بين البشر، تقوم على الصراع والتغالب، لا على التعاون والتعاضد، وعلى الأنانية والأثرة، لا على البذل والإيثار، وهذه ثمرة الانحراف عن منهج الله، فصراع الحقوق السائد عالمياً بين الرجل والمرأة هو نتاج طبيعي للموروث التاريخي والثقافي الغربي، بجذوره الميثولوجية (الدينية ) ، الذي تقبّل فكرة أن العداوة بين الجنسين أزلية، وأن المرأة هي سبب الخطيئة الأولى، وهذا الموروث ربما التقى مع بعض الثقافات الأخرى، ولكنه بالتأكيد لا ينتمي إلى شريعة الإسلام، ولا إلى ثقافة المسلمين.
فالحقوق عند المسلمين لم يقررها الرجل ولا المرأة إنما قررها الله اللطيف الخبير، الذي قال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا) الأعراف (189) ، فإن وجد في واقع المسلمين حيف في الحقوق من طرف تجاه آخر؛ فهو نتيجة لانحراف المسلمين عن دينهم، وجهلهم بأحكامه وضعف إيمانهم بربهم؛ أو بسبب تحكيم القوانين الوضعية فيهم، أو بسبب تحكم الأعراف والتقاليد المخالفة للشرع في أحوالهم.
6.إن معركة الكفار ضد المسلمين مستمرة منذ قيام هذا الدين قال تعالى: ( وَلاَ يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ ) البقرة (217) ، وفي الفترات التي يتسلط فيها الكفار على المسلمين يظهر النفاق في أوساط المسلمين ويجاهر من في قلبه مرض بمواقفه، ويكثر السمّاعون لهم، ولذا وجب مجاهدة المنافقين والاحتساب عليهم بقوة قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِير ) التوبة (73) ، وقال عز وجل: (هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) المنافقون (4) ، مع التنبه إلى الأسلوب الخادع الذي ينهجه كثير منهم، وهو التعامل مع النصوص الشرعية بمنهج التحريف والتأويل لمعانيها وألفاظها ومقاصدها بالشبهات الواهية.
كما يجب مناصحة السمّاعين لهم، ممن تأثر بواقع الهزيمة المادية والمعنوية للمسلمين، فضعف اعتزازهم بهذا الدين وأحكامه وشرائعه، وتأثر بشبهاتهم وضلالاتهم.
أصول شرعية في حقوق المرأة وواجباتها
لم يُعرف في تأريخ المسلمين، على مدى عمر أمة الإسلام، مشكلة اسمها"قضية المرأة"، سواء أكان ذلك في أوج عزتهم وتمكنهم، أو في أزمنة ضعفهم وهزيمتهم. وعندما نقل الغرب وأدعياؤه المستغربون أمراضهم ومعاناتهم على البشر جميعاً -بمن فيهم المسلمين-، ظهر ما يسمى بـ"قضية المرأة"، حيث لا قضية، ونودي بتحريرها في معظم مجتمعات المسلمين بالمفهوم العلماني الغربي للتحرير.