فهرس الكتاب

الصفحة 26324 من 27345

خلق آدم من طين ثم تناسل منه البشر ، فأصل خلقتهم إذا من الطين ، ثم هذا الغذاء الذي هو عنصر حياتهم ينبت من الطين، ثم قضى لكل فرد ولكل أمة عمراً محدوداً وأجلاً للحياة كلها تنتهي فيه وكل ذلك مسمى عنده جل وعلا معلوم عنده لا يعرفه غيره ولا يطلع عليه سواه.

ومع كل هذه الآيات والدلائل يأبى أكثر الناس إلا كفوراً، إنهم لجهلهم وظلمة قلوبهم يشكون في قدرة الله على إعادتهم وبعثهم بعد موتهم ?... ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ? [الأنعام:2] تختلفون وتشكون.

وفي الآية الثالثة يذكر جل وعلا أنه المعبود بحق في السماوات والأرض وهو العليم بخلقه مؤمنهم وكافرهم محسنهم ومسيئهم قال تعالى: ? وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ ? [الأنعام:3] .، إن علمه تعالى محيط شامل لا يخفى على الله شيء، الغيب عنده شهادة، والسر عنده علانية، والقلوب إليه مفضية، يعلم السر وأخفى ، فالسر ما انطوى عليه ضمير العبد وخطر بقلبه.

ولم تتحرك به شفتاه، وأخفى منه: ما لم يخطر بعد، فيعلم تعالى أنه سيخطر بقلبه كذا وكذا في وقت كذا وكذا. له الخلق والأمر، وله الملك والحمد، وله الدنيا والآخرة، وله النعمة والفضل، وله الثناء والحسن، له الملك كله، وله الحمد كله، وبيده الخير كله، وإليه يرجع الأمر كله.

وأمام هذه القدرة والعظمة والعلم والإحاطة يبدو شرك المشركين وامتراء الممترين، وتكذيب الجاهلين، عجباً منكراً لا مكان له في نظام الكون ولا مكان له في فطرة النفس ولا سند له في القلب والعقل إنه شذوذ وانحراف.

هؤلاء الذين يكفرون ويكذبون ولا ينتفعون بالآيات ولا تؤثر فيهم البراهين والأدلة ، يحذرهم الله تعالى من مغبة كفرهم وسوء صنيعهم ويأخذ بأيديهم ليوقفهم على مصارع أسلافهم الغابرين الذين أخذهم الله وسوف يأخذ المكذبين المعاصرين كما أخذ السابقين ، تأملوا قول الله عز وجل: ? وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ? [الأنعام:4-6] .

ما أعظم كلام الله عز وجل وما أصدقه?... وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً ? [النساء:122] ،?... وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً ? [النساء:87] ، إنه يهدد أعداءه الذين يكذبون بالحق ويصرون على الكفر والباطل ساخرين مستهزئين ? فَقَدْ كَذَّبُواْ بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنبَاء مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ? [الأنعام:5] نعم إنه سيأتيهم العذاب لا محالة، لا يعرفون نوعه ولا موعده، إنه يأتيهم بغتة وهم لا يشعرون. ومع هذا التهديد للكفار المعاصرين لنزول هذا القرآن ولمن جاء بعدهم من المشركين إلى عصرنا وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، يلفت القرآن أعناقهم وأنظارهم وقلوبهم وأعصابهم إلى مصارع المكذبين من قبلهم، وكيف فعل الله بهم وقد كانوا يعرفون بعضها في ديار عاد بالأحقاف وديار ثمود بالحجر، وكانت أطلالهم وما زالت مآثرهم باقية يمر عليها العرب في رحلة الشتاء للجنوب وفي رحلة الصيف للشمال، كما كانوا يمرون بقرى لوط المخسوفة ويعرفون ما يتناقله المحيطون بها وما يتحدث به الركبان ? وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ? [الصافات:138-139] وإن في مصارع السابقين عظة وعبرة للاحقين ? أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْهِم مِّدْرَاراً وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِن بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ ? [الأنعام:6] .

أنظروا أيها الناس إلى مصارع الأجيال والأمم الغابرة .. كيف فعل الله بهم بعد أن مكن لهم في الأرض وبسط لهم الخيرات وأعطاهم من أسباب القوة والسلطان الشيء العظيم، وأرسل عليهم المطر المدرار متتابعاً ينشئ في حياتهم الخصب والنماء ويفيض عليهم الرزق الوفير.. ثم ماذا؟

ثم عصوا ربهم وكفروا به وألحدوا في أسمائه وصفاته، فأخذهم الله بذنوبهم وأنشأ من بعدهم جيلاً آخر ورث الأرض من بعدهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت