* مصاحبة أهل العلم الصادقين وتجنب أهل الشبهات والبدع
وهذا مما يتقى به الشبهات التي هي من أسباب الانحراف والجنوح عن طريق أهل الاستقامة، لأن في مصاحبة أهل العلم الذين يجمعون صحة العلم وحسن القصد عاصماً بإذن الله تعالى من الشبهات ورافعاً لها إذا وجدت، لأن الشبهات لا تنتشر إلا في بيئات الجهل وقلة العلم. كما أن في مجانبة مجالس أهل الأهواء والبدع والشبهات وعدم السماع لهم حماية بإذن الله تعالى من المزالق والمخالفات، لأن في مجالسهم تثار الشبهات ويكثر الجدال والمراء فتعلق بقلوب السامعين لها شبهاتهم، ويصعب التخلص منها بعد ذلك. ولذلك شدد السلف رحمهم الله تعالى في ذلك ونهوا عن مناظرة أهل الأهواء والشبهات، وعن حضور مجالسهم أو السماع منهم. وقد نقلت طائفة من هذه الأقوال في مبحث أسباب الانحراف فليرجع إلى ذلك.
وإذا كان هذا موقف السلف من أهل الشبهات وتشديدهم في النهي
عن حضور مجالسهم أو قراءة كتبهم، فكيف بمن يفتح لهم اليوم مجلته أو قناته أو موقعه في شبكة المعلومات ليبث شبهاته بحجة حرية الفكر والنقاش وفتح المجال لطرح الأفكار والرد عليها؟!
إني لأحسب أن في هذا مخالفة شديدة لمنهج السلف وباباً من أبواب نشر الأفكار المنحرفة، ويخشى على من يفتح منبره لأهل الأهواء والبدع أن يتحمل وزره ووزر من تتسبب هذه الأفكار في تضليله.
ويلحق بمصاحبة أهل العلم والاستقامة مصاحبة كتبهم ومقالاتهم وسماع أشرطتهم المسجلة. وفي مقابل ذلك هجر كتب أهل الأهواء والبدع والتنفير منها ومن سماع أشرطتهم إلا للمتمكن من أهل العلم الذين يقرأون أو يسمعون لأهل البدع بغرض الرد على شبههم وبيان ضلالاتهم.
* التواصي بالحق والدعوة إليه
وهذا من أعظم ما تدفع به الشبهات التي تحرف الناس عن طريق الاستقامة وبخاصة في عصور الغربة وانتشار الفتن.
فكلما وجد في زمان أو مكان دعاة إلى الحق يوصي بعضهم بعضاً بلزومه وينشرونه بين الناس كلما قلت البدع والشبهات، والعكس بالعكس فعندما تضعف الدعوة إلى المنهج الحق ويقل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن الأهواء والشبهات حينها تفشو وينشأ من جراء ذلك التضليل والتلبيس والانحراف الذي يقوم به أهل الباطل حيث يزخرفون كلامهم لضعاف العلم والعقول من الناس فيصغون إليه، ويرضون به، ويحسبونه حقا لما كسوه من زخرف القول غر ور اً.
ويلحق بالتواصي بالحق: المناصحة بين الدعاة وطلبة العلم بعضهم مع بعض لأنه قد يتأثر أحد الدعاة بشبهة ما ويتعلق بها، فإذا وجدت المناصحة والمناظرة الصادقة في إزالة الشبهة فإنها تزول بإذن الله تعالى، أما إذا رأى أحدنا على أخيه موقفاً أو سلوكاً مشيناً سببه شبهة ثم تركه وجامله فإن هذا من أسباب رسوخ الانحرافات وانتشارها.
* لزوم الجماعة ونبذ الفرقة
إن لزوم جماعة المسلمين الملتزمة بما كان عليه الرسول صلى الله عليه سلم وأصحابه لمن أعظم الأسباب في الوقاية من الانحراف، والمقصود بالجماعة هنا جماعة العقيدة والمنهج الحق، مع لزوم جماعة المسلمين التي لها إمام موافق للشرع، فإذا تحقق هذان الوصفان وجب الالتزام بهما جميعاً، والمفارق لهما أو لأحدهما مفارق للجماعة ومعرض نفسه للشبهات والانحرافات.
أما إذا لم يوجد الإمام الشرعي. فيبقى لزوم الجماعة بالمعنى العلمي العقدي هو الأصل ولا يمكن أن يخلو منه زمان.
ولو تتبعنا نشوء الفتن والانحرافات في التاريخ الإسلامي لرأيناها إنما نمت وترعرعت في أرض الفرقة والاختلاف.
وقد وصى الرسول صلى الله عليه وسلم بلزوم الجماعة قال: (( ...عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، ومن سرته حسنته وساءته سيئته فذلكم المؤمن ) ) [5] .
وفي عصور الغربة والفتن كعصرنا اليوم لا يكفي مجرد الانتماء العلمي لأهل الاستقامة، بل لا بد من العيش الجماعي والتواصي بالحق معهم. وعدم الانفراد أو العزلة عنهم لأن شياطين الإنس والجن يكونون مع الواحد، وهم مع الأثنين أبعد كما جاء في الحديث الآنف الذكر.
[1] سير أعلام النبلاء10/ 31.
[2] أبو داود في الأدب (4810) ، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة ( 1794 ) .
[3] المطالب العالية 3/ 106.
[4] المصدر نفسه 3 / 106، وقال البوصيري: رواه إسحاق بإسناد حسن لابن أبي شيبة.
[5] جزء من حديث رواه الترمذي في الفقه وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي (1758) .