3 -أنهم وسط: وكما أن هذه الأمة - أي أهل القبلة عموماً - جعلها الله تبارك وتعالى أمة وسطاً ، فأهل السنة هم وسط أهل هذه الأمة وخيارها، وهم أصحاب المنهج الوسط في هذه الأمة، وهذه الوسطية تتجلى في أمور الإيمان والعقيدة جميعاً، ونوجز ذلك بما يتضح به هذا المنهج القويم:
1] فهم وسط في صفات الله تبارك وتعالى: وقد ضلت طوائف في هذا الباب: فمنهم من أثبت وغلا في الإثبات؛ حتى مثَّل الله تبارك وتعالى بخلقه، وهؤلاء هم أهل التمثيل أو التشبيه، وهؤلاء سماهم السلف: عبَّاد صنم؛ لأنهم جعلوا صفات الله تبارك وتعالى مماثلة لصفات المخلوقين!! وفي المقابل: نجد أولئك الذين نفوا صفات الله ، وغلوا بالتنزيه - بزعمهم - حتى لم يثبتوا لله شيئاً من صفاته، أو أنكروا بعضاً منها، وهؤلاء كما قال السلف: المعطل عابد عدم!!
أما أهل السنة فهم وسط، فمثلاً في صفة العلو: يعتقدون أن الله تبارك وتعالى على العرش استوى، وأنه فوق جميع المخلوقات...أما هؤلاء المُمَثِّلة، فيقولون:استوى كالمخلوقين !!
وأولئك المعطلة يقولون:لا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا يمينه ولا شماله !!
فأهل السنة وسط، يثبتون لله تبارك وتعالى كل ما أثبته لنفسه، أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم من الصفات إثباتاً لا تمثيل فيه، وينفون عن الله سبحانه وتعالى ما لا يليق به نفياً لا تعطيل فيه، من غير تحريف ومن غير تكييف...وهذا هو المنهج السليم الصحيح الذي كان عليه أهل السنة والجماعة جميعاً.
2 ]وهم وسط في باب الإيمان والأحكام والأسماء: فبعض طوائف الأمة: قد غلت؛ حتى كفَّرت من يرتكب ذنباً من الذنوب دون الكفر أو الشرك، فأخرجته من الملة، أو حكمت عليه بالخلود في النار...
ونجد في المقابل:من استهان وفرَّط في الأمر؛ حتى جعل أهل المعاصي والكبائر والفجور: مؤمنين كاملي الإيمان.
فالخوارج يقولون: أن مرتكب الكبيرة كافر.
والمعتزلة يقولون:هو في منزلة بين الإيمان والكفر، فغلوا في ذلك، وضلوا ... وأما المرجئة: فإنهم قالوا: من قال لا إله إلا الله، وشهد لله تعالى بالوحدانية، وأقر لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة؛ فإنه مؤمن كامل الإيمان... وإن عمل ما عمل، وأنكروا أن الإيمان يزيد وينقص ... وكلا هذين الطرفين خارج عن الصراط المستقيم، فممَّا هو معلوم: أن الله تبارك وتعالى فرَّق في الحكم بين من يشرك به، وبين من يرتكب شيئاً من هذه المعاصي، وكذلك النبي صلى الله عليه وسلم، والأدلة كثيرة لا تحصى... وهو صلى الله عليه وسلم رجم الزاني، وقطع يد السارق، وجلد شارب الخمر، فلو كانت هذه الذنوب ردةً وكفراً كالكفر الأكبر المخرج من الملة؛ لكان حكمها واحد ولا تفريق بينها ، وأيضاً نقول للمرجئة: لو كان العاصي والفاجر كامل الإيمان؛ فما معنى تلك الآيات العظيمة التي جاءت في صفات المؤمنين، وفي بيان أحوالهم وما يتميزون به عن غيرهم، وتلك الآيات الصريحة القطعية من كتاب الله تعالى في بيان أن الإيمان يزيد وينقص، وما جاء أيضاً في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ... ووفق الله تبارك وتعالى أهل السنة، فكانوا الأمة الوسط بين هؤلاء وهؤلاء.
3] وهم وسط في باب القدر: الذي ضلت فيه العقول والأفهام التي ابتعدت عن كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم:
فإن القدرية نفوا القدر ولم يثبتوه و غلوا في تحميل العبد للمسئولية عند فعل المعصية، فقالوا:العبد مسئول عما يفعل من المعاصي، وغلوا في ذلك حتى قالوا: أن الله تعالى لم يقدِّر عليه هذه المعاصي، ولم يخلقها، ثم غلوا حتى جعلوا جميع أفعال العبد هو الذي يستأنفها من عند نفسه، والله تبارك وتعالى لم يكتبها عليه، ولم يقدرها عليه، وغلا بعضهم، فقال: لا يعلم الله بها إلا بعد وقوعها... تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
فقابلتهم الجبرية، وقالوا: لا حيلة للعبد، ولا إرادة له، ولا اختيار، وغلوا في إثبات القدر، حتى آل بهم الأمر إلى أن جعلوا الإنسان كالريشة في مهب الريح، لا إرادة له ولا اختياراً ، فكل الأمور بالقدر حتى إذا فعلوا المعاصي، وانتهكوا حرمات الله قالوا:هذا بقدر الله، وليس لنا بذلك أي ذنب، وهؤلاء في ضلال مبين.