الوصية الأولى: بذل الجهد في تعميق الإيمان في النفوس:فكلما بذل الجهد في تأصيل الإيمان في النفوس تعمق وترسخ واقتنع به صاحبه؛ فيصبح إيمانه ملء سمعه وبصره، وأنس قلبه وقرة عينه، ويصبح إيمانه محركًا لصاحبه إلى كل خير، ومقعدًا له عن كل شر، وإذا تعمق الإيمان، ووقر في القلب، واستقر فيه، فلن تزعزعه شبهة ولا شهوة، وسيواجه الأمور مواجهة الجبال الصمّ التي تصد الرياح، ولا تحركها الأعاصير. وكنت قد ابتدأت بقوله تعالى: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا ءَامِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ... [136] { "سورة النساء" بمعنى: قووا، ورسخوا، واستقيموا على الإيمان، وزيدوا الإيمان في النفوس- والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية- . والله جل وعلا لما قسم الناس ثلاثة أقسام: مؤمنين خلصًا، وكفارًا خلصًا، ومنافقين، فبدأ في صفات المؤمنين بقوله سبحانه وتعالى:} الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ... [3] { وختمها بقوله:} ...وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [4] "سورة البقرة" .
فأول نصيحة أقدمها وأذكر بها: أن يبذل الشباب المسلم- الذي هو الآن أمام فتن الشبهات والشهوات، وأمام أعداء الإسلام، وأمام الفتن الظاهرة والباطنة- جهده في تعميق إيمانه، والموفق من وفقه الله تعالى، وعلى المرء أن يبذل الجهد فيما يقدر عليه مما يقوي إيمانه؛ من تلاوة كتاب الله، وقراءة سير أنبياء الله، وقراءة سير الصالحين في هذه الأمة، ومن فعل الطاعات، ومن مجالسة الأخيار، والتأمل في نصوص الوعد والوعيد، والتوفيق من الله سبحانه وتعالى.
الوصية الثانية: الالتزام بمقتضيات الإيمان: وهذا أمر لابد منه لكل مسلم: شيخًا كان أو شابًا، ذكرًا أو أنثى، فضلاً عن أن يكون داعية، وهو التزامه بمقتضيات ما آمن به ...فينبغي للمسلم- لاسيما الداعية إلى الله- أن يكون أول ممتثل لما يأمر به، وأول منتهٍ عما ينهى عنه؛ لأنه إذا تمثلت فيه دعوته، واستقام على ما يدعو إليه كما أمر الله عز وجل: فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ... [112] { "سورة هود" سيصبح كأنه قطعة من الإسلام؛ يرى الناس جمال الإسلام وجلاله وحسنه في تصرفاته ومعاملاته . وعندما يبدأ الداعية بنفسه، ويستقيم ويلتزم بما يأمر به، ويدعو إليه؛ سيكون حريًا أن يقبل الناس قوله ودعوته، ولكم في ذلك سلف من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام؛ قال شعيب لقومه كما حكى الله تعالى عنه:} وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ... [88] { "سورة هود" وقال صاحب يس:} اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ [21] "سورة يس" فالالتزام، وإعطاء المدعو صورة حية من الإسلام؛ له أثر كبير في قبول الدعوة ونفاذها إلى القلوب، ثم إن المقتنع بما يأمر به، المحب له، الذي امتزجت دعوته بلحمه ودمه، لابد إذا قال قولاً؛ أن يقول له واقعه: صدقت وبررت، لا أن يقول له واقعه: لا صدقت ولا بررت.
يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم
تصف الدواء لذي السقام وذي الضنى كيما يصح به وأنت سقيم
وتراك تصلح بالرشاد عقولنا وأنت من الرشاد عديم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم
وقد قال بعض الدعاة: لو وجد الالتزام والاستقامة من الرجل، لكان داعية بفعله، ولو لم يتكلم في الدعوة ببنت شفة.
الوصية الثالثة:الإخلاص لله في كل عمل: فيبتعد الداعية كل البعد عن إرادة الدنيا بعمله.وهذه هي طريقة أنبياء الله، واقرءوا سورة الشعراء وغيرها، فكل منهم يقول: وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ... [109] { "سورة الشعراء" وذلك في عدة آيات، وقال صاحب يس:} اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ [21] "سورة يس" فإذا كان عند الداعية القناعة في نفسه، والرضا بما يدعو إليه ومحبته؛ فلتكن رغبته منصرفة إلى ما عند الله سبحانه من أجر وثواب، فهمة الداعية فيما بينه وبين ربه؛ يجب أن تكون هي الدعوة وإصلاح الناس . فنصيحتي للمسلم أن يتعامل مع الله وحده، وأن يرتبط بالله وحده بأن تكون جميع تحركاته في دعوته.. في أمره.. وفي نهيه مع الله سبحانه لا مع غيره، رضي القوم أم لم يرضوا؟ فإذا بدر منه ما يقدح في تجرده لله؛ فليعد إلى الله، وليستغفر.