فهرس الكتاب

الصفحة 2654 من 27345

ثم تأملوا شماتة هؤلاء النسوة من امرأة العزيز"وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ" (يوسف:30) ، هذه شماتة وليست نصيحة، وهذا مزيد إفشاء للخبر، فارتدت الشماتة عليهن، ولذلك حدث منهن ما حدث، فلما وضعت لهن ما وضعت وحدث ما حدث، قلن: حاش لله ما هذا بشرًا إن هذا إلا ملك كريم. قالت: فذلكن الذي لمتنني فيه. يعني بينت أن هذا هو الذي أنتن أنكرتنه ولمتنني فيه، فإذن هن شريكات ويطلبن من يوسف _عليه السلام_ أن يستجيب للمرأة، فهذا دليل أن الشماتة ترتد على صاحبها، ولذلك يا أخي الكريم، إذا علمت أن أخاك قد ابتلي فلا تشمت به، وقلّ أن يشمت إنسان بإنسان إلا وقع في مثل ما وقع فيه، وقد ورد أثر قيل إنه حديث وهو ليس بحديث"لا تشمت بأخيك فيعافيه الله ويبتليك"هذه حكمة وهي صحيحة، كم من الناس شمت بأحد إخوانه فابتلاه الله _جل وعلا_، وعاقبه الله _جل وعلا_. فإذا رأيت المبتلى فاحمد الله _جل وعلا_، واسأله السلامة والعافية حتى لا تقع في مثل ما وقع فيه.

وفي موضوع الابتلاء، نجد هناك من يشمت فيمن ابتلي بدينه ويتعاطفون مع من ابتلي بدنياه، ومن ابتلي في دينه أعظم ممن ابتلي في دنياه؛ لأن الدنيا أمرها سهل، تذهب وتأتي، ولكن الدين أمره عظيم، فلنقف مع إخواننا ولا نشمت بأحد سواء كان في أمر دين أو أمر دنيا.

وقفة أخرى المكر لا يأتي إلا بالمكر، فلما مكرن بها مكرت بهن،"وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ" (فاطر: من الآية43) .

وهنا مسألة مهمة جدًا. إذا فشت المعصية سهل ارتكابها، وهذا باب يغفل عنه الكثير، إذا فشت المعصية في بلد أو مجتمع أو أسرة سهل ارتكابها. إذا استطعنا أن نفهم هذه الحقيقة استطعنا أن نتعامل مع كثير من القضايا، كيف؟ الأصل هو الستر على المسلم إلا من أفشى المعصية بشكل لا يصلح الستر عليه فيعاقب، ولذلك ذكر الله _تعالى_ في سورة النور"إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ" (النور:19) . إذا تساهل الناس فأفشوا المعصية ارتكبها كثير من الآخرين الذين لم يكونوا ليرتكبونها لو لم تفش، كانوا يتهيبون من الوقوع فيها.

فإدراك هذه القاعدة وهذا المفهوم يحصر المعصية، بينما إفشاؤها يسهل ارتكابها على كثير من الناس، مثلًا إذا علمت أن أحد أبنائك وقع في معصية، الأصل أن تستر عليه وتعالج الموضوع بحكمة؛ لأنه إذا أفشي بين أفراد الأسرة أنه يرتكب هذه المعصية كشرب الدخان مثلًا، يسهل ارتكاب المعصية منه ومن غيره ويزداد، ولذلك نلحظ أنه لو حكم وشهد رجلان بأن رجلًا قد قتل رجلًا فإنه تقبل شهادتهما ويقتص منه، بينما في موضوع الزنا، الفاحشة لابد من أربعة شهود، لماذا؟ لأن موضوع الزنا من ناحية الفاحشة أعظم وأخطر على المجتمع، ومن ارتكب الزنا وشهد أربعة فهذا قد أفشى وفضح نفسه، أما لو شهد ثلاثة بأنهم رأوه يفعل الفاحشة، لا تقبل شهادتهم بل يقام عليهم حد القذف. كل هذا من أجل ألا تفشو الفاحشة في الذين آمنوا، فمحاصرة الفحشاء والمنكر من عوامل استقرار المجتمع، هذا جانب يغفل عنه البعض ويتساهلون فيه ويخطئون في التعامل مع أبنائهم ومع من حولهم.

نسأل الله أن يحفظ مجتمعاتنا من الفساد، وأن يرد كيد الذين يسعون لإشاعة الفاحشة بين المسلمين عبر القنوات وغيرها من سائل الإعلام، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت