6-وفي نهاية هذه المقالة أقول: إن مما حباً للرسول -صلى الله عليه وسلم - والتصاقاً بهديه وسيرته، أن نسعى إلى محاسبة أنفسنا ومعرفة أخطائنا، فإذا اكتشفنا عيوباً، فسنجد في هديه - صلى الله عليه وسلم - العلاج الناجع لهذه الأدواء التي حلت بنا، وإليك أمثلة على ذلك:
فإذا كان أحدنا مقصراً في جانب النوافل والعبادات - مثلاً - فليتذكر أن رسول الله e كان يصلي حتى تتورم قدماه وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
وقد يكون أحدنا متصفاً بالجبن والهلع، ألا فليعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أخبر أنس بن مالك - رضي الله عنه - كان من أشجع الناس، وقد قال علي - رضي الله عنه: إنا كنا إذا حمي البأس اتقينا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ولما كان البعض منا مشغوفاً بحب الدنيا والتكالب عليها، ومن ثم فلينظر إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كان من أزهد الناس في الدنيا، حتى قالت عائشة: ما شبع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أياما تباعاً - من خبز حتى مضى لسبيله (16) .
وقد نلمس في أنفسنا وغيرنا جفاءً مع الناس وسوء معاملة، وقد قال أنس: خدمت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين، فما قال لي أُفٍّ قط، وما قال لشيء صنعته لِمَ صنعته؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟ وصدق الله - تعالى - عندما قال - سبحانه - في شأنه: ( فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظاً غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) [آل عمران: 159] .
وأخيراً فقد يتلبس أحدنا بأَثَرَة وأنانية، فلا يهتم إلا بنفسه وشخصه مع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه » . هذا الحديث الذي يبين ما كان عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الموالاة والرحمة والإشفاق لأهل الإيمان، عن جرير قال: كنا عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في صدر النهار، قال: فجاءه قوم حفاة عراة، متقلدي السيوف، عامتهم من مُضر، بل كلهم من مضر، فتمعَّر (تغير) وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم - لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذّن وأقام، ثم خطب فقال: ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ.. ) إلى آخر الآية ( إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً) [النساء: 1] ، والآية التي في الحشر (يَا أَيُّهَا الَذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) [18] تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثويه، من صاع بُره، من صاع تمره حتى قال: « ولو بشق تمرة » ، قال: فجاء رجل من الأنصار كادت كفه تعجز عنها، بل لقد عجزت، قال: ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله e يتهلل (يستنير) كأنه مُذْهَبَة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «من سن الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينتقص من أجورهم شيء » (17) .
أسأل الله أن يرزقنا تمام التأسي برسول الله e وأن يحشرنا مع زمرته.
المصادر:
1-مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، 1/190.
2-الشفا، 2/563.
3-رواه البخاري ومسلم.
4-رواه البخاري ومسلم.
5-انظر تفصيلاً لتلك العلامات في كتاب الشفا للقاضي عياض، 2/571-577.
6-الشفا، 2/571.
7-رواه البخاري ومسلم.
8-جامع العلوم والحكم، 1/177.
9-الصارم المسلول، 422.
10-الصارم المسلول، 211.
11-الفتاوى، 16/526-528 باختصار.
12-الصارم المسلول، 457-458.
13-الصارم المسلول، 117.
14-يعني طه حسين، ومن المعلوم أن طه حسين كان أعمى البصر والبصيرة، انظر: (طه حسين في ميزان الإسلام) للأستاذ أنور الجندي.
15-كلمة الحق، 176-177.
16-رواه مسلم.
17-رواه مسلم.
6/8/1425 هـ