فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إذا كان ما سبق من عقاب أليم إنما خصص لمن أحب بقلبه إشاعة الفاحشة؛ فكيف بمن ساهم في نشرها بين الذين آمنوا بكل قوة وبذل مادي ومعنوي، ورصد لذلك الجوائز المغرية، والمسابقات الملفتة للنظر بفحشها ومجونها، وهيأ الأماكن المترفة، ونشر الصفحات والمجلات المتعددة، والمواقع المشبوهة، في تسابق محموم بغيض حاقد؟ فكلما ظهرت قناة تبعتها قنوات أخرى، وكلما أنشئت مجلة ماجنة نافستها مجلات على النهج نفسه، وكلما سطَّر قلم مجوناً وفحشاً تنافس معه متنافسون، وكلما ظهر صاحب فحش من الجنسين في أي مجال شيطاني؛ قام شياطين الإنس ببعث المئات من أمثالهم، وأصبح هؤلاء هم النجوم التي يهتدي بها بعض شباب المسلمين في حياتهم ليزدادوا ظلاماً وتيهاً.
* الوقفة الرابعة:
مما يدمي القلب، ويشعله خوفاً من نزول عذاب متتابع فوق أنواع العقوبات التي نكابدها أنّ حب إشاعة ونشر ودعم الفاحشة بين الذين آمنوا إنما يبلغ أَوْجَهُ وقوته في مواسم العبادات وذروة الأوقات التي يمنّ الله الرحيم بها علينا لنكفر عن السيئات، ونزداد في الحسنات، ونعيش في نعيم نسائم الرحمات، وهي أوقات رمضان المبارك، وعيد الفطر، والأيام العشرة الأولى من ذي الحجة، وأيام عيد الأضحى المبارك، فنجد الشياطين وقد أجلبت علينا بخيلها ورجلها لتقدم كل ما يحطم ويقتل معاني الحب، والذل والخضوع والطاعة والاستسلام لله - تعالى -، وتجعل من المسلم عبداً ممسوخاً لشهواته ولذَّاته، لا يعرف من الإسلام إلا اسمه، ولا من العبادة إلا رسمها، ولا من الحب لله إلا نطق اللسان فقط، فينقلب المسلمون إلى أهل الإرجاء الذين يجعلون الإيمان قولاً واعتقاداً فقط؛ أما العمل فلا دخل له في ذلك، فنتحول إلى قطعان تهرف بما لا تعرف، تنساق إلى مذابحها في عقيدتها وهي ضاحكة مستبشرة. فأي حقد يصبه علينا أعداء ديننا، ونحن نراهم يتقاسمون الأدوار فيما بينهم وبأموالنا، ووقودهم شبابنا ونساؤنا، وقبل ذلك ديننا، كل منهم قد علم دوره جيداً فأتقنه وبلّغه؛ فأصبحنا أمة أحبت إشاعة الفاحشة؛ فأي عذاب ينتظر الجميع؟!
* الوقفة الخامسة:
هذه الآية إن كانت تهديداً ووعيداً لمن أحب إشاعة الفاحشة؛ فهناك حديث صحيح يبين لنا عقوبات نشر الفاحشة إذا شاعت؛ فعن عبد الله بن عمر قال: أقبل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «يا معشر المهاجرين! خمس إذا ابتُليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلا أُخِذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا الزكاة إلا مُنعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمُطَروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدواً من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم» (1) . وعن أبي مالك الأشعري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يُعزَف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير» (2) .
هذه العقوبات المتوالية في الدنيا، وما عند الله أعظم.
* الوقفة السادسة:
هناك مظاهر في مجتمعنا تعين على نشر الفاحشة بين أفرادنا، وإن كان فاعلوها لم يقصدوا ذلك. وهي: بيع وشراء ولبس الحجاب المتبرج الذي يكشف أكثر مما يحجب، فنجد المسلمة، وقد لبست من الحجاب أنواعاً تغري الرجال، وتوقعهم في زنا النظر المتكرر، ومن ثم الكلام، وقد تصل الأمور إلى ما هو ما أبعد من ذلك، وهذه المسلمة تصر على إظهار مفاتنها أمام الجميع بلا حياء في كل مكان؛ لما ترتدي الملابس الفاضحة في كل مناسبتها؛ فهي تشجع غيرها على مجاراتها، وتقليدها مسلكها، وتثير في نفوس بعضهم مشاعر شاذة، ونظرات خاصة لا يرضاها الله - تعالى -.
كذلك من هذه المظاهر المعينة على إشاعة الفاحشة جلب العمالة لبلادنا من الرجال بلا زوجاتهن، ومن النساء بلا أزواجهن لسنوات أقلها سنتان؛ مما يشجع كثير من هؤلاء النساء على اقتراف الفاحشة بالتراضي، أو مع غيرهم بوسائل الاغتصاب المعروفة، وصحفنا ودوائرنا الحكومية لا تخلو أحياناً من أخبار يندى لها الجبين المسلم الحر، وهذا أمر بدهي وفطري؛ فهذا عمر - رضي الله عنه - جعل للمجاهد فترة محددة يبتعد فيها عن زوجته، حتى لا يكلفهما ما لا يطيقان من مشاق تصطدم مع حاجاتهما الضرورية الفطرية؛ فيكف بهؤلاء؟ أليسوا بشراً مثلنا؟
وأختم ما سبق بأن القرآن العظيم ما أنزله الله - تعالى - إلا لنتدبره؛ فهل تدبرناه؟ وهل سألنا الله دائماً ألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا؟ نعوذ بك اللهم من جَلَد الفاجر، وعجز الثقة..اللهم آمين.
(*) أستاذ مساعد بمعهد اللغة العربية لغير الناطقين بها بجامعة أم القرى بمكة المكرمة.