وربما يشعر القارئ أن كثيراً من الكلمات غريبة عليه . نعم ! إنها بعيدة عن معجم عصرنا اليوم . ولكنّها مع ذلك ظلّت تحتفظ حتى اليوم بجمال موسيقاها وعذوبة انسيابها وجمال ترابطها . يحسّ القارئ المؤمن الذي يعرف لغة القرآن ، يحسّ بها ولو لم يدرك معناها ، وتظلّ لا تنبو عن السمع في جوّ حاشد من الصور المتلاحقة بألوانها الزاهية ، وحركتها الحيّة كأنّك تراها أمام عينيك ، وفي حلاوة الجرس والنغم الشّادي .
إن هذه القصيدة الرائعة تصف رحلته كلّها بجميع مراحلها وصفاً حيّاً دقيقاً. إنّها تمضي على نسق واحد من الإبداع لا تهبط أبداً ، ولا تضعف .
وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبدي إعجابه الشديد فيخلع بردته على كعب من أجل أبيات من النسيب ، الوصف و المديح . ولكنّي أعتقد أن الفكرة الرائعة التي تعرضها القصيدة في ألفاظ قوية وتعبيرات غنيّة ووقع فنّي مؤثّر ، هي التي أثارت إعجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . إنها تمثّل رحلته من الجاهلية إلى الإسلام ، ومن الكفر إلى الإيمان . إنّها تمثّل حبّاً كان يتعلق به ثمّ هجره وتركه وغاب عنه ، وحبّاً عظيماً يستحقّ الجهد والعناء والبذل والصبر انتقل إليه وأقبل عليه . إنّها تمثّل رحلته النفسية ومعاناته أروع تمثيل وأدقّه . لا يُعقل أن يكون شاغله في هذه المعاناة النفسية حبّ فتاة حقيقية أو خيالية.
من هنا ، من هذا التصوّر تأخذ قصيدة ( بانت سعاد ) روعتها وإبداعها ، وتحمل البركة من بردة الرسول صلى الله عليه وسلم ، لتتحلّى به حلية تمضي إلى أبد الدهر .
إن هذا المعنى عميق في القصيدة ، يكاد يحسّ به المسلم لو لم يدركه تمام الإدراك ، يحسّ المسلم أنّ في القصيدة فكرة عظيمة استحقت إعجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعلينا نحن أن نبحث عن هذه الفكرة العظيمة . إنها نقلة واسعة من الجاهلية إلى الإيمان ، إنها جاهلية تبتعد وتغيب ، وإيمان يقبل عليه كعب بلهفة وشوق ، ويظلّ وصف الناقة يمثّل هذا الشوق العظيم واللهفة العظيمة والإيمان واليقين .
إنّ القصيدة ، بإيجاز ، تُعبّر عن حبّ تعلّق به فترة ، ثمّ غاب عنه وابتعد فاكتشف بذلك غدره وإخلافه وما يحمله من مآس وفواجع . فترك هذا الحبّ كلّه ، ما هو حبّ فتاة ، ولا بالغرام والغزل إنّه حبّ الجاهلية ، حبّ الدنيا وشهواتها ، مثّل ذلك كلّه بفتاة أسماها"سعاد".
وكان تركه للجاهلية باب هداية له من الله ، حين شرح الله صدره للإيمان ، فرأى الحبّ العظيم ، حبّ الله ورسوله ، وإيثار الآخرة على الأولى . إنّه حبّ عظيم ملك عليه نفسه ، وأثار شوقه ، فهاجت لهفته للقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم . حبّ قديم يفارقه وحبّ جديد يقبل عليه .
بهذا التصوّر تكون القصيدة قد رسمت لنا معاناته النفسية التي مرّ بها، وقاسى منها . ترسمها لنا بمراحلها وحالاتها حتى انتهت إلى اليقين والإيمان .
وهي تمثّل النُقلة العظيمة الهائلة من جاهلية إلى إيمان ، نقلة هائلة ، ورحلة هائلة . على أبدع ما يكون التصوير .
وبذلك أرى أن هذه القصيدة ترتفع إلى مستوى عال من الأدب العالمي ، الأدب الإنساني .
(1) أحمد: المسند 3/456، الفتح: 19/276 .
(2) سيرة ابن هشام: ج2 ، ص ( 501-515) . د. محمود حسن زيني: تحقيقه لشرح أبي البركات ابن الأنباري لقصيدة كعب بن زهير ، ط1 1400هـ ـ 1980م ، ص (83-90) . د. محمود حسن أبو ناجي لشرح جمال الدين بن محمد الأنصاري لقصيدة كعب ، ط3 ، 1404هـ ـ 1984م ، ص ( 32-37 ) . د . محمد بن سعد بن حسين"المدائح النبوية بين المعتدلين والغلاة"ط1، 1406هـ 1986م ، ص: ( 14-20) .
(3) المدائح النبوية بين المعتدلين والغلاة ، ط1 1406هـ ـ 1986م ، ص: 19-20 .
(4) متبول: أسقمه الحبُّ وأضناه ، متيّم: ذليل مستبعد ، لم يُفد: لم يخلِّص ، مكبول: مقيّد .
(5) أغنّ: في صوته غنّة ، غضضيض: فاتر ، مكحول: من الكَحَل: وهو سواد يعلو جفون العين من غير اكتحال .
(6) هيفاء: ضامرة البطن دقيقة الخصر ، عجزاء: كبيرة العجز .
(7) عوارض: الأسنان كلّها أو الضواحك منها ، ظلّم: ماء الأسنان وبياضها وبريقها ، منهل: مُسْقى ، الراح: الخمر .
(8) شجّت: مُزجت ، ذي شبم: ماء شديد البرودة ، مَحنية: منعطف الوادي حيث يكون ماؤه أبرد وأصفى ، الأبطح: المسيل الواسع الذي فيه الحصى ، أضحى: صار إلى وقت الضحى قبل اشتداد الشمس ، مشمول ك ضربته ريح الشمال .
(9) القذى: ما يقع في الماء من تبن أو عود أو كدر ، أفرطه: سبق إليه وملأه ، الصوب: المطر ، الغادية: السحابة تمطر غدوة ، يعاليل: الحباب الذي يعلو وجه الماء أبيض اللون ، لا مفرد له .
(10) خُلّة: الصديقة ، يوصف بها المؤنث والمذكر وغيرهما والمفرد وغيره .
(11) سيط: مُزج وخلط ، فجع: مصائب وفواجع . ولع: غدر و كذب .