إن هذا القيظَ وإن كان يؤذي إلا أنه نافع تقتضيه ضرورة الحياة لبعض الكائنات، وبه يكتمل نموها ويينعُ ثمرُها، ولو لم يكن قيظٌ لما كان لها ثمر، فلا يُنسينا إيذاؤه تذكّرَ ما لله فيه من حِكَم بالغة وآياتٍ ظاهرة. والله سبحانه لا يقدّر ولا يخلق عبثاً، إنما خلق لحكمة وقدر لغاية، وله في كل تحريكة وتسكينة شاهد، (... وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) (الفرقان: من الآية2) . تبارك الله...
ألا وإن التفكّر في شدة القيظ وتذكّر الآخرة به لا يستدعي التعرض للحر ولا البروزَ للشمس، فالأمر لا يتطلب سوى حسّ متيقّظ مرهف وقلب شاهد ونظر ثاقب، وأما التعبّد لله بالبروز للشمس والتعرض للسَّموم من أجل تذكر الآخرة ووعظ النفس به فذلك بدعةٌ من ضلالات الجهال، ومن تعبّد الله بذلك فقد أعظم عليه الفرية، وأساء وتعدى وظلم.
قال ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:"وأما مجرد بروز الإنسان للحر والبرد . بلا منفعة شرعية , واحتفاؤه وكشف رأسه , ونحو ذلك مما يظن بعض الناس أنه من مجاهدة النفس, فهذا إذا لم يكن فيه منفعة للإنسان, وطاعة لله, فلا خير فيه, بل قد ثبت في الصحيح أن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى رجلاً قائما في الشمس, فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا أبو إسرائيل, نذر أن يقوم في الشمس, ولا يستظل, ولا يتكلم, ويصوم. فقال: مروه فليجلس, وليستظل, وليتكلم, وليتم صومه" (الفتاوى الكبرى 2/148)
ثم كيف يكون ذلك مستحباً وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا اشتدّ الحرّ أن نُبردَ بالصلاة. وعلى هذا فلا يجوز للمسلم أن يتعنى المشقّة طريقاً للعبادة وهو يجد طريقاً إليها أيسر، وإنما المشقة التي يُؤجر المرء على تحملها تلك المشقة الملازمة للعبادة، بحيث لا يتأتّى تحقيقها إلا باحتمال تلك المشقة، فمثلاً لا يشرع الوضوء بالماء الحميم مع وجود غيره، ولا الوضوء بالماء البارد في الليلة الشاتية مع وجود الدافئ، وإنما يُؤجر من توضأ بذلك وهو لا يجد غيره