والله سبحانه يعلم المؤمنين والمنافقين، والله سبحانه يعلم ما تنطوي عليه الصدور، ولكن الأحداث ومداولة الأيام بين الناس تكشف المخبوء، وتجعله واقعاً في حياة الناس، وتحوّل الإيمان إلى عمل ظاهر، وتحول النفاق كذلك إلى تصرف ظاهر، ومن ثم يتعلق به الحساب والجزاء. فالله سبحانه لا يحاسب الناس على ما يعلمه من أمرهم، ولكن يحاسبهم على وقوعه منهم... والرخاء في هذا كالشدة، وكم من نفوس تصبر للشدة وتتماسك، ولكنها تتراخى بالرخاء وتنحل، والنفس المؤمنة هي التي تصبر للضراء، ولا تستخفها السراء، وتتجه إلى الله في الحالين، وتؤمن أن ما أصابها من الخير والشر، فبإذن الله.
وقد كان الله يربي هذه الجماعة... لتتعلم أسباب النصر والهزيمة، ولتزيد طاعة لله، وتوكلاً عليه، والتصاقاً بركنه، ولتعرف طبيعة هذا المنهج وتكاليفه معرفة اليقين.
{ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء } : وهو تعبير عجيب، عن معنى عميق، إن الشهداء لمختارون، يختارهم الله من بين المجاهدين... فما هي رزية إذاً، ولا خسارة أن يستشهد في سبيل الله من يستشهد إنما هو اختيار وانتقاء وتكريم واختصاص...
ومقتضى هذه الشهادة أن يجاهد إذاً، لتصبح الألوهية لله وحده في الأرض، كما بلغها محمد صلى الله عليه وسلم، فيصبح المنهج الذي أراده الله للناس، والذي بلغه عنه محمد صلى الله عليه وسلم، هو المنهج السائد والغالب والمطاع، وهو النظام الذي يصرّف حياة الناس كلها بلا استثناء.
فإذا اقتضى هذا الأمر، أن يموت في سبيله، فهو إذاً شهيد، أي شاهدٌ طلب الله إليه أداء هذه الشهادة، فأداها، واتخذه الله شهيداً... ورزقه هذا المقام...
{ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } : والظلم كثيراً ما يذكر في القرآن ويراد به الشرك، بوصفه أظلم الظلم وأقبحه... وقد أشار السياق من قبل إلى سنة الله في المكذبين، فالآن يقرر أن الله لا يحب الظالمين... والتعبير بأن الله لا يحب الظالمين، يثير في نفس المؤمن بغض الظلم وبغض الظالمين...
{ وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ } : والتمحيص درجة بعد الفرز والتمييز. التمحيص عملية تتم في داخل النفس... إنها عملية كشف لمكنونات الشخصية، وتسليط الضوء على هذه المكنونات، تمهيداً لإخراج الدخَل، والدغل، والأوشاب، وتركها نقية، واضحة، مستقرة على الحق، بلا غبش، ولا ضباب.
وكثيراً ما يجهل الإنسان نفسه، ومخابئها، ودروبها ومنحنياتها، وكثيراً ما يجهل حقيقة ضعفها وقوتها، وحقيقة ما استكن فيها من رواسب، لا تظهر إلا بمثير.
وفي هذا التمحيص الذي يتولاه الله سبحانه، بمداولة الأيام بين الناس، بين الشدة والرخاء، يعلم المؤمنون من أنفسهم ما لم يكونوا يعلمونه، قبل هذا المحك المرير...
{ وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ } : تحقيقاً لسنته في دفع الباطل بالحق، متى استعلن الحق، وخلص من الشوائب بالتمحيص