فهرس الكتاب

الصفحة 27178 من 27345

ثالثاً: ولكن في أي شيء يكون الخلاف؟ وإلى متى يستمر الخلاف؟ وإذا احتجنا إلى حسم الخلاف فمن له الحق في ذلك؟ وهذه أسئلة كبيرة لا يمكن الإجابة عنها جميعاً. ولكن نأخذ من ذلك ما يهمنا في هذا الموقف (موقف الرسوم والنصرة) . ولا ريب أن هذا الموقف هو مما يحتمل تنوّع الآراء واختلافها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه موقف عملي ينبغي أن نتفق فيه على رأي موحّد حتى نخرج بموقفٍ قويّ واحد (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ) . ونَرجع إلى معينه الصافي سيرته العملية صلى الله عليه وسلم"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي". لنرى كيف كان يتعامل مع مثل هذه المواقف. وحريّ بنا أن نرجع دائماً لسيرته صلى الله عليه وسلم، لاسيما ونحن نناقش نصرته. فليكن أول ما ننصره به اتباع طريقته وهديه في مواقفه العملية. وأشير باختصار إلى غزوة أحد حين سمح النبي -صلى الله عليه وسلم- بتنوّع الآراء في كيفية مواجهة جيش المشركين, وكان رأيه أن يقاتل في المدينة، ورأي الشباب أن يخرجوا إلى أحد. فلما جاء وقت العمل حسم الخلاف لأحد الرأيين (وكان في ذلك الموقف هو رأي القتال خارج المدينة) . فلمّا ذهب إلى أحد ترك عبد الله بن أبيّ بن سلول الجيش بحجة أن رأيه كان خيراً من رأي الشباب وانهزم بثلث الجيش .. فهنا طريقتان: طريقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الاجتماع ولو على رأي مفضول, وطريقة عبد الله بن أبيّ بن سلول التفرّق بحجة الحرص على الرأي الفاضل. فلينظر امرؤ ما يختار لنفسه!. إن الاجتماع على رأي مفضول خير من التفرّق على رأي فاضل. (وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) . إذن لا مانع من التنوّع وتقليب الآراء والخلاف حتى يبدأ الموقف العمليّ, فإذا جاءت المواقف العملية فيجب أن نتنازل عن بقية الآراء، ونجتمع على رأي واحد، ونخرج للأمم الأخرى صفاً واحداً. ويبقى السؤال هنا: من يحدّّد هذا الرأي دون بقية الآراء الباقية؟ من يحق له الاختيار؟

ونعود لمسألتنا في مؤتمر البحرين لنقول: إن أكبر تجمع للعلماء - حسب اطلاعي - هو مؤتمر البحرين. حضر فيه جماعة من العلماء الأجلاء, ووفود من المراكز الإسلامية في الدنمرك, ونظّمته مؤسسات وهيئات إسلامية معروفة بجهودها الإسلامية، وجهودها في حملة النصرة لخاتم الأنبياء والمرسلين. فأرى من المناسب أن نتنازل عن آرائنا الأخرى لرأي هؤلاء العلماء الأجلاء, لاسيما أننا الآن في موقف عمليّ لا يحتمل المنازعة والتفرق. واستطراداً فإني أذكّر إخواني بأن ثمة نموذجين داخل واقعنا الإسلامي فيما يتعلق بالاختلاف والتفرق. فهناك نموذج ركّز على النظام وأهمل الدليل, فخرج بمواقف منظمة ومرتبة, لكنه أهمل النظر للدليل حتى أصبح سلطان النص يتراجع كثيراً أمام سلطان المراجع الدينية. وصورته الغالية تصل إلى ما وصف الله (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ) (31) سورة التوبة. وهناك نموذج آخر ركّز على سلطة الدليل واحترام النص, وأهمل التنظيم والخروج بمواقف مرتبة، حتى غدا حال هذا النموذج فوضى عارمة، لا يعرف لذي قدرٍ قدره. وواجبنا حيال هذا الواقع أن نضع نموذجاً ثالثاً يحفظ لنا (صفنا الواحد) ، دون أن يحوّلنا إلى (اتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دون الله) .

رابعاً: وماذا عن قرار المؤتمر وبيان الشيخين الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ سلمان العودة؟ وأقول: ابتداءَ فإني من الناحية العملية أرى موافقة المؤتمر وعدم التفرّق والتنازع سواء كان هناك اقتناع بالطريقة التي أقرها المؤتمر أم لا؛ فاجتماعنا على رأي مفضول خير من تفرّقنا على رأي فاضل. وإن كان ثمة تسامح فلا تثريب في المخالفة، على ألاّ يكون إنكار لا يتناسب مع طبيعة المواقف العملية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت