وحين نتميز ونفاصل ولا نلتقي إلا على نبع الوحي الصافي نكون بحق أجلاء الرفعة والعلاء، وأهل العطاء والسمو للسماء.
إن الطيور وإن قصصت جناحها
تسمو بفطرتها إلى الطيرانِ
أحمد والمعتزلة
أظهر المعتزلة القول بخلق القرآن في عهد هارون الرشيد، ولكن هارون وقف بالمرصاد أمام دعوته وقال:"بلغني أن بشر المريسي زعم أن القرآن مخلوق ولله علي إن أظفرني الله به لأقتلنه قتلة ما قتلها أحد قط"وكان الأمين على صرامة أبيه، ولما جاء المأمون أقنعه المعتزلة فكرة خلق القرآن حتى حمل الناس على الإيمان بها بقوة السيف.
ومن يكُ أعوراً والقلب أعمى فكل الخلق في عينيه عورُ
وثبت أحمد ثباتا شديدا وعذبه المأمون، ثم عذبه المعتصم وسجنه أعواما عديدة، وهو ثابت لا يلين ولا يتراجع عن قولة الحق حتى نصره الله نصرا مؤزرا.
هاهو أخر قد آمن بالله حقًا، فأكسبه ذلك الإيمان عزة، جعل يكلم هشام بن عبد الملك الخليفة كلامًا غليظًا جافيًا، فقال هشام له: وتتكلم أيضًا في مجلسي؟! فقال: يقول الله -جل وعلا-: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا) أفنجادل الله جدالا، ولا نكلمك يا هشام؟! فما كان من هشام إلا أن قال: قل ما شئت، ثم انصرف راشدًا، فقال ما شاء وانصرف راشدًا بعزة المؤمن (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ) إنها العزّة، أثر إيماني يظهر صاحبه الحق، لا يخشى دون الله أحدًا.
نحن نهدي الخلق زهراً وثماراً وسوانا يبعث النار ضراما
كل نمرود إذا أوقد ناراً عادت النيران برداً وسلاما
** وهاهو الأوزاعي كان واحد زمانه وإمام عصره وأوانه، وكان ممّن لا يخاف في الله لومة لائم، نهّاء على المنكر مقوالا بالحقّ لا يخاف سطوة العظماء، من مواقفه أيضا حديثه مع عبد الله بن علي الشيعي لما قدم الشام وقتل بني أميّة، فإنّه استدعى الأوزاعي، وعبد الله في جنده وسيوفهم مسلولة وقال له:"ما تقول في دماء بني أميّة"؟
قال:"قد كانت بينك وبينهم عهود؟ وكان ينبغي أن تفوا بها".
قال عبد الله:"ويحك أجعلتني وإياّهم لا عهد بيننا". يقول الأوزاعي: فأجهشت نفسي وكرهت القتل فذكرت مقامي بين يدي الله، فلفظتها فقلت:"دماؤهم عليك حرام".
قال هذه الكلمة أمام الجبار وسيوف رجاله مصلتة تريد أن تنال من دم الإمام، ولكن
ليس الليث من جوع يقادُ إلى جيف تحيط بها كلابُ
فغضب عبد الله بن علي الشيعي وانتفخت عيناه وأوداجه، و قال:"ويحك ولم؟"فقال له الأوزاعي:"قال رسول الله صلّى الله عليه و سلّم: لا يحلّ دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: ثيّب زان ونفس بنفس وتارك لدينه مفارق للجماعة".
قال: و يحك، أو ليس الأمر لنا ديانة؟ أليس كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أوصى لعلي؟
قال الأوزاعي: لو أوصى إليه ما حكّم الحكمين، فسكت واجتمع غضبا، يقول الأوزاعي: وجعلت أتوقّع رأسي يسقط بين يدي، فأومأ أن أخرجوه فخرجت.
إنما هو كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما سواهما حُلُم.
يا مفني العمر في التفتيش عن حلم لو كان يُدرَكُ ما كان اسمه الحلما