فهرس الكتاب

الصفحة 27276 من 27345

و بالجملة ، فإن القول بجواز رمي أيام التشريق قبل الزوال مطلقا هو مذهب طاوس و عطاء و نقل في التحفة عن الرافعي أحد شيخي مذهب الشافعي الجزم بجوازه ، قال: و حققه الأسنوي و زعم أنه المعروف مذهبا .

و ذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنه يجوز الرمي قبل الزوال للمستعجل مطلقا وهي رواية عن الإمام أحمد ، ساقها في الفروع بصيغة الجزم بقوله: وعنه يجوز رمي متعجل قبل الزوال ، قال في الإنصاف: وجوز ابن الجوزي الرمي قبل الزوال ، وقال في الواضح: ويجوز الرمي بعد طلوع الشمس في الأيام الثلاثة وجزم به الزركشي ونقل في بداية المجتهد عن أبي جعفر محمد بن علي ، أنه قال: رمي الجمار من طلوع الشمس ، وروى الدار قطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله أرخص للرعاة أن يرموا جمارهم بالليل أو أية ساعة من النهار، قال الموفق في كتابه الكافي: وكل ذي عذر من مرض أو خوف على نفسه أو ماله كالرعاة في هذا لأنهم في معناهم ، قال: فيرمون كل يوم في الليلة المستقبلة ، قال: في الإنصاف وهذا هو الصواب ، وقاله في الإقناع والمنتهي وهو المذهب ، فعلم من هذه الأقوال أن للعلماء المتقدمين مجالا في الاجتهاد في القضية وأنهم قد استباحوا الافتاء بالتوسعة ، فمنهم من قال بجواز الرمي قبل الزوال مطلقا ، أي سواء كان لعذر أو لغير العذر ، ومنهم من قال بجوازه لحاجة التعجل ، ومنهم من قال بجوازه لكل ذي عذر ، كما هو الظاهر من المذهب ، فمتى أجيز لذوي الأعذار في صريح المذهب أن يرموا جمارهم في أية ساعة شاءوا من ليل أو نهار، فلا شك أن العذر الحاصل للناس في هذا الزمان من مشقة الزحام والخوف من السقوط تحت الأقدام أنه أشد وآكد من كل عذر فيدخل به جميع الناس في الجواز بنصوص القرآن والسنة وصريح المذهب ، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ما سئل يوم العيد و لا في أيام التشريق عن شيء من التقديم والتأخير إلا قال: » افعل ولا حرج « ، فلو وجد وقت نهي غير قابل للرمي أمام السائلين لحذرهم منه ، إذ

لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه ، فسكوته عن تحديد وقته هو من الدليل الواضح على سعته ، والحمد لله الذي جعل هذا التحديد من قول من ليسوا بمعصومين عن الخطأ ولم يكن من كلام من لا ينطق عن الهوى . فإن الحلال ما أحله الله ورسوله ، والحرام ما حرمه الله ورسوله والدين ما شرعه الله ورسوله ، وما سكت عنه فهو عفو فاقبلوا من الله عفوه واحمدوا الله على عافيته ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ، ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

حرر في 5 شعبان عام 1393هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت