وفي رواية لأحمد"ومن لغا فلا جمعة له"فإذا كان قولك أنصت لصاحبك وهو أمر بمعروف يحرمك من أجر الجمعة فبالأولى غيره من الكلام بل لقد شبه الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يتكلم والإمام يخطب بالحمار يحمل أسفاراً، وذلك في قوله صلى الله عليه وسلم:"من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل أسفاراً والذي يقول له أنصت:ليس له جمعة"أي كما أن الحمار لا ينال من حمل الكتب إلا التعب والمشقة دون أن يستفيد شيئاً مما فيها فكذلك الذي يحضر الجمعة ثم يتكلم ليس له من جمعته إلا تعبه ومجيئه إلى المسجد دون أن يكسب من وراء ذلك من الأجر شيئاً، واحذروا رحمكم الله من تخطي الرقاب عند دخول المسجد، فقد ورد النهي عن ذلك فيما رواه أبو داؤود والنسائي وأحمد عن عبد الله بن بسر رضي الله عنه قال: (جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم"اجلس فقد آذيت".
وقد روى أحمد أيضاً عن أرقم بن أبي الأرقم المخزومي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"الذي يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ويفرق بين الاثنين بعد خروج الإمام كالجار قصبة في النار"، أي كالذي يجر أمعاءه في النار لذلك ينبغي على من أتى الجمعة أن يبكر ولا يقعد في صف حتى يعلم أن الصف الذي أمامه لا يوجد فيه مكان ومن ابتلي بالتأخر فلا يجوز له أن يتخطى رقاب الناس إلا أن العلماء أجازوا التخطي لاثنين للإمام إذا لم يكن له باب من جهة القبلة يدخل فيه ولمن وجد فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي والذي يترك الفرجة أمامه ولا يسدها حتى يأتي آخر فيتخطاه إلى تلك الفرجة يكون هو الجاني على نفسه والمهدر حق نفسه من حرمة التخطي.
هذه الحقوق والسنن والآداب التي تتعلق بالجمعة، فاحرصوا عليها تقبل بها صلاتكم ويضاعف لكم الأجر وتكونوا قد أديتم حق الجمعة لما أرشدكم إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ? [الأنفال: 24] . وأستغفر الله.
الخطبة الثانية:
الحمد لله يهدي لنوره من يشاء نحمده جعل عبادته ومرضاته غاية أحبابه وأوليائه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحابته والسائرين على منهاجه إلى يوم الدين.
أما بعد: عباد الله فقد ثبت عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول أي ما يجده المؤذن والمصلي في الصف الأول من الأجر- ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا) .
وقوله: (لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله) ، أي يتأخرون عن الصلاة في الصفوف الأولى حتى يؤخرهم الله عن رحمته وعظيم ثوابه وفضله ورفيع منزلة أهل قربه. إننا نشاهد كثيراً من المصلين يقعدون عن المسابقة في مواطن الخير فيؤثرون الصلاة في مؤخرة المسجد في حين أن الصفوف الأولى غير تامة ولكي ينال المصلي مجلساً في الصفوف الأولى ويسلم من إيذاء الناس وتخطيهم فعليه بالتبكير، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح -أي خرج في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر".
ومن أراد أن يصلي نافلة بعد صلاة الجمعة فليصل أربعاً في المسجد أو ركعتين في البيت أو ركعتين في المسجد وركعتين في البيت كل ذلك ثبت في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من رواية عبد الله بن عمر وغيره.
وهذا الذي ذكرناه عن الجمعة لم نستقص فيه كل ما جاء في السنة عنها ويتبين بذلك ما لهذا اليوم من عظيم الفضل وما يجب على المسلمين فيه من المزيد في الشكر لربهم المنعم المتفضل جل وعلا.
وأن يشتد حرصهم على كل ساعة من ساعاته, فيكثرون فيه من القرب وفعل الخيرات ولكن الذي يؤسف له أن كثيراً من الناس يحولون هذه المقاصد الشرعية الحسنة إلى مقاصد سيئة يسهرون ليلة الجمعة في اللهو واللعب والإثم، فلا ينامون إلا في ساعة متأخرة من الليل حتى يؤدي بهم ذلك إلى تضييع صلاة الفجر وربما ضيع بعضهم صلاة الجمعة أيضاً أما نهار يوم الجمعة فالأمر أدهى من ذلك وأمر, تراهم يخرجون في هذا اليوم العظيم وكأنه يوم مجون وخلاعة وفسوق يخرج الكثير بعوائلهم وقد حسرت المرأة عن ثيابها لِتَفْتِن ثم تُفْتَن، ثم يجاهرون ربهم بالمعاصي في ساعات فضيلة من هذا اليوم حيث يجتمع الرجال والنساء في أماكن السباحة والخلاعة دون حياء ولا خجل.