فهرس الكتاب

الصفحة 27333 من 27345

وعندما توالت قذائف المجانيق على هذا الموضع الواهن، انصدع السور، فكتب 'ياطس' إلى 'تيوفيل' كتاباً يعلمه فيه بأمر السور وحرج الموقف وقوة الحصار، ووجّه الكتاب مع رجل يتقن العربية ومعه غلام رومي، فانكشف أمر الرجلين للمعتصم، واستمر جند 'المعتصم' يبيتون بالتناوب على ظهور الدواب في السلاح ودوابهم بسروجها حتى انهدم السور ما بين برجين، من الموضع الذي وصف للمعتصم أنه لم يحكم عمله.

ودوى في فضاء عمورية صوت اهتزت له جنباتها، إثر تهدم جانب السور، فطاف رجال المسلمين يبشرونهم أن الصوت الذي سمع، صوت السور فطيبوا نفساً بالنصر.

لقد فعلت المجانيق فعلتها في السور وتنبه المعتصم إلى سعة الخندق المحيط بعمورية وطول سورها ، فأمر ببناء مجانيق ضخمة كبيرة يعمل على كل منها أربعة رجال ، وللوصول إلى السور كان لا بد من ردم أجزاء من الخندق، فدفع لكل جندي شاة لينتفع من لحمها وليحشو جلدها تراباً ، ثم جمع (سلاح المهندسين) الجلود المملوءة تراباً وطرحها في الخندق.

كما أمر 'المعتصم' 'مفارز' الفعلة بأن تردم جوانب من الخندق المحيط بسور عمورية مستفيدة من جلود الغنم المملوءة تراباً، كي يمكن الدبابات من الوصول إلى السور، وكلف 'مفارز' من الرجالة بحماية العاملين وبردم الخندق، وحماية العاملين في الدبابات أثناء قيامها بالواجبات المترتبة على كل منها.

وطرح العاملون من الفعلة الجلود فلم تقع مستوية منضدة بسبب تكثيف الروم رميهم الحجارة على العاملين بردم الخندق فجاءت الجلود في الخندق غير مستوية فطرحوا فوقها التراب حتى أصبحت مستوية.

وفي صباح يوم جديد من الحصار، بدأ القتال على الثلمة التي فتحت في السور ولكن الموضع كان ضيقاً لم يمكنهم من اختراق الثلمة، فأمر 'المعتصم' بالمنجنيقات الكبار التي كانت متفرقة حول السور فجمع بعضها إلى بعض، وجعلها تجاه الثلمة، وأمر أن يرمى ذلك الموضع لتتسع الثلمة، ويسهل العبور، وبقي الرمي ثلاثة أيام فاتسع لهم الموضع المنثلم، واستخدمت أكباش الدبابات أيضاً لتوسيع الثلمة.

وركب 'المعتصم' حتى جاء فوقف حذاء البرج الذي يقاتل فيه 'ياطس' فصاح بعض الجند العرب: يا 'ياطس'، هذا أمير المؤمنين، فصاح الروم من فوق البرج: ليس 'ياطس' هاهنا، فغضب 'المعتصم' لكذبهم وتوعد فصاحوا: هذا 'ياطس'، هذا 'ياطس'، فصعد جندي على أحد السلالم التي هيئت أثناء الحصار، وقال لياطس: هذا أمير المؤمنين فانزل على حكمه، فخرج 'ياطس' من البرج متقلداً سيفاً حتى وقف على البرج، و'المعتصم' ينظر إليه فخلع سيفه من عنقه، ودفعه إلى الجندي العربي الذي صعد إليه، ثم نزل 'ياطس' ليقف بين يدي 'المعتصم'، معلناً سقوط عمورية بيد 'المعتصم' وجنده.

لقد سقطت عمورية بعد أهم معركة عربية استخدمت فيها أدوات الحصار الضخمة الكبيرة كالدبابات والمجانيق والسلالم والأبراج على اختلاف أشكالها وأنواعها، وذلك بعد حصار دام خمسة وخمسين يوماً، من سادس رمضان إلى أواخر شوال سنة 223هـ.

ثم أمر المعتصم بطرح النار في عمورية من سائر نواحيها، فأحرقت وهدمت، وجاء ببابها الرئيسي إلى سامراء، وعاد بعدها المعتصم بغنائم كبيرة جداً إلى (طرسوس) ، ومنها إلى (سامراء) منتصراً ظافراً، راداً على 'تيوفيل' فعلته كاسراً مخالبه التي تطاولت على (زبطرة) ، ومستجيباً لصيحة الهاشمية الحرة ( وامعتصماه ) ، جاءها على خيل بلق، فخلّصها وقتل الرومي الذي لطمها، ثم أمر ببناء زبطرة وشحنها بالرجال والعتاد والميرة، فرامها الروم بعد ذلك فلم يقدروا عليها.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت