فهرس الكتاب

الصفحة 27335 من 27345

سَرَت بشائرٌ بالهادي ومولِدِه ...

... في الشرقِ والغربِ مسرى النورِ في الظُّلَمِ

تخطفتْ مهجَ الطاغينَ منْ عربٍ ...

... وطيَّرتْ أنفسَ الباغينَ من عجمِ

ريعت لها شرف الإيوانِ فانصدعت ...

... من صَدْمةِ الحقِّ لا مِن صدمةِ القدمِ

أتيتَ والناسُ فوضى لا تمرُّ بهمْ ...

... إلا على صنمٍ قد هام في صنمِ

والأرضُ مملوءةٌ جوراً مسخرةٌ ...

... لكلِّ طاغِيةٍ في الخلْقِ محتَكِمِ

مُسيطرُ الفرسِ يبْغي في رعيَّتهِ ...

... وقيصرُ الرُّومِ مِن كِبْرٍ أصمُّ عمِ

يعذّبانِ عبادَ اللهِ في شبهٍ ...

... ويذبَحانِ كَما ضحَّيْت بالغَنَمِ

لم يكن أي مولد، بل مولد رسالة يحملها رسول، رسالة ختم بها الله رسالاته لخلقه، وأنهى بها الله وحيه الذي لم ينقطع عن البشر منذ آدم عليه السلام.

لقد خلق الله الخلق، وجعل من طبيعتهم القدرة على اختيار طريق الخير أو طريق الشر: { وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا } وأرسل لهم الرسل بالشرائع ليهدوهم إلى طريق الخير، ويمنعوهم من الوقوع في مزالق الشر.

ولكنه جل وعلا لم يجعل طريق الشر والخير للبشر متساويين في الترغيب والترهيب، بل شاء جل وعلا أن يرسل رسوله رحمة للبشر، يوجههم ويعينهم ويسلك بهم الخير، بل ويجهد من أجل إدخالهم الجنة، قال عليه الصلاة والسلام: «مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الفراش والجنادب يقعن فيها وهو يذبهن عنها، وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي» . وكان إذا مرت عليه جنازة يهودي أو نصراني يتقلب وجهه، فيسأل في ذلك فيقول: «نفس فلتت مني إلى النار» يتحرق عليه الصلاة والسلام على النصارى واليهود يحب لهم أن يدخلوا الجنة.

إنني عندما أتحدث عن المولد فإنني لا أبحث موضوع الاحتفال بالمولد (وهي مسألة خلافية لست بصدد الحديث فيها) ولكني بصدد القول إن كل مسلم قد شغف قلبه بحب محمد عليه الصلاة والسلام، مهما كان هذا المسلم عاصياً، أو ظالماً، أو قاسياً قلبه، وأذكر قصة قرأتها في شبابي عن مسلم يعيش في أوربا، ولديه مجموعة من الأصدقاء النصارى، وكانوا يسهرون ويشربون الخمر مع بعضهم، وحصل أن اتفق أصدقاؤه النصارى على أن يستدرجوه لسب الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، وحاشاه الله ونزهه من كل منقصة، فقالوا لصديقهم المسلم الفاسق: بصحتك يا فلان. فقال: بصحتي. وشربوا الخمر، ثم قالوا له: بصحة عيسى. فقال: بصحة عيسى. فقالوا: بصحة محمد. وهنا ذهبت السكرة، وانتفض المسلم شارب الخمر العاصي، ورفس الطاولة برجله، وقذف الخمر وقام يضربهم ويحذفهم بما في يديه، وقال: عليكم لعنة الله يا أنجاس يا ملاعين، أتذكرون محمداً هنا. وظل يصرخ ويزبد ويبصق عليهم وهم يهدئونه ويقولون: لم غضبت؟ لقد قلنا بصحة عيسى مع أنه ابن الرب عندنا ونقدسه. فقال: أنتم أحرار فيما تقولون، ولكن أن تذكروا محمداً في هذا المجلس فهذا ما لا أقبله أبداً، ولن أعاقر الخمرة بعد اليوم. ثم خرج غاضباً.

هذا مثال عفوي بسيط عن محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيف أنها تشربت في قلوب المسلمين، ولا أقول في أي مسلم، إلا أنه يحب رسول الله ويحب رؤيته في الدنيا قبل الآخرة، إلا من طمس الباطل قلوبهم، وأعمى إبليس بصائرهم.

كيف لا ومحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم من صميم الإيمان، قال عليه السلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما» وقال عليه السلام: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه» متفق عليهما.

وذكرى مولد رسول الله عليه السلام محفورة في القلوب، احتفلنا بها أم لم نحتفل، نتطلع إليها فنتذكر سيدنا وإمامنا وقائدنا وقدوتنا، الذي أمرنا الله بمحبته، وأوجب علينا طاعته، تذرف الدموع لذكراه، وتخشع القلوب لسيرته، تتطلع النفوس للقياه، وتتذكره في سنته.

ولكن يبقى السؤال الذي سيظل مربوطا برقابنا حتى نلقى الله.

ماذا تعني محبة رسول الله عليه الصلاة والسلام وما معنى تذكر يوم مولده.

هل تعني محبة رسول الله عليه الصلاة والسلام أن نتذكر يوم مولده فنذبح الذبائح ونمد السمط، ونقرأ البردة والهمزية والمدائح النبوية، ثم نعرج على صفات الرسول الخلقية (بفتح الخاء) والخلقية (بضم الخاء) فنخرج من هذا كله بالروحانية، ظانين في أنفسنا أننا أعطينا رسول الله عليه السلام حقه، ثم نعود إلى دنيانا، غافلين عن سيرته، مضيعين أحكامه، لاهين بالدنيا عن إقامة دولته، ملتفتين عن طريقته الشرعية الوحيدة إلى طرق الواقعية والديمقراطية.

كيف نقابل الله ورسوله يوم القيامة، وقد عصينا وتخلينا، كيف نقابل الله ورسوله يوم القيامة، وقد أهملنا وضيعنا.

رحم الله سيدنا الشافعي عندما قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت