فهرس الكتاب

الصفحة 2791 من 27345

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في تقرير سلطة الأمة وتقرير الرأي العام فيها: (الدين النصيحة) . قالوا: لمن يا رسول الله ؟ قال: (لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين و عامتهم) .. ويقول أيضًا (إن من أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر) ، ويقول كذلك (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلي إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) .. وإلي مئات الأحاديث التي تفصل هذا المعني وتوضحه ، وتوجب علي المسلمين أن يأمروا بالمعروف وأن ينهوا عن المنكر ، وأن يراقبوا حكامهم ويشرفوا علي مبلغ احترامهم للحق وإنفاذهم لأحكام الله .

فهل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يأمر بهذا التدخل ، أو الإشراف أو التناصح ، أو سمه ما شئت ، وحين يحض عليه ، ويبين أنه الجهاد الأكبر ، وأن جزاءه الشهادة العظمي .. يخالف تعاليم الإسلام فيخلط السياسة بالدين ، أم أ، هذه هي طبيعة الإسلام الذي بعث الله به نبيه صلى الله عليه وسلم ، وأننا في الوقت الذي نعدل فيه بالإسلام عن هذا المعني نصور لأنفسنا إسلامًا خاصًا غير الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه .

لقد تقرر هذا المعني الفسيح للإسلام الصحيح في نفوس السلف الصالح لهذه الأمة ، وخالط أرواحهم وعقولهم ، وظهر في كل أدوار حياتهم الاستقلالية قبل ظهور هذا الإسلام الاستعماري الخانع الذليل .

ومن هنا أيها الإخوان كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلمون في نظم الحكم ، ويجاهدون في مناصرة الحق ، ويحتملون عبء سياسة الأمة ، ويظهرون علي الصفة التي وصفوا أنفسهم بها (رهبان بالليل فرسان بالنهار) حتى كانت أم المؤمنين عائشة الصدِّيقة تخطب الناس في دقائق السياسة ، وتصور لهم مواقف الحكومات في بيان رائع وحجة قوية ، ومن هنا كانت الكتيبة التي شقت عصا الطاعة على الحجاج وحاربته وأنكرت عليه بقيادة ابن الأشعث تسمي كتيبة الفقهاء ، إذ كان فيها سعيد بن جبير وعامر الشعبي وأضرابهما من فقهاء التابعين وجلة علمائهم.

ومن هنا رأينا من مواقف الأئمة رضوان الله عليهم في مناصحة الملوك ومواجهة الأمراء والحكام بالحق ما يضيق بذكر بعضه فضلًا عن كله المقام .

ومن هنا كذلك كانت كتب الفقه الإسلامي قديمًا وحديثًا فياضة بأحكام الأمارة والقضاء والشهادة والدعاوى والبيوع والمعاملات والحدود والتعزيزات ، ذلك إلي أن الإسلام أحكام عملية وروحية ، إن قررتها السلطة التشريعية فإنما تقوم علي حراستها وإنفاذ السلطة التنفيذية والقضائية ، ولا قيمة لقول الخطيب كل جمعة علي المنبر (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة:90) ، في الوقت الذي يجيز فيه القانون السكر وتحمي الشرطة السكيرين وتقودهم إلي بيوتهم آمنين مطمئنين ، ولهذا كانت تعاليم القرآن لا تنفك عن سطوة السلطان ، ولهذا كانت السياسة جزءًا من الدين ، وكان من واجبات المسلم أن يعني بعلاج الناحية الحكومية كما يعني بعلاج الناحية الروحية .

وذلك موقف الإسلام من السياسة الداخلية .

السياسة الخارجية

فإن أريد بالسياسة معناها الخارجي ، وهو المحافظة علي استقلال الأمة وحريتها ، وأشعارها كرامتها وعزتها ، والسير بها إلي الأهداف المجيدة التي تحتل بها مكانتها بين الأمم ومنزلتها الكريمة في الشعوب والدول ، وتخليصها من استبداد غيرها بها وتدخله في شؤونها ، مع تحديد الصلة بينها وبين سواها تحديدًا يفصل حقوقها جميعًا ، ويوجه الدول كلها إلي السلام العالمي العام وهو ما يسمونه (القانون الدولي) .. فإن الإسلام قد عني بذلك كل العناية وأفتي فيه بوضوح وجلاء ، وألزم المسلمين أن يأخذوا بهذه الأحكام في السلم والحرب علي السواء ، ومن قصر في ذلك وأهمله فقد جهل الإسلام أو خرج عليه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت