فهرس الكتاب

الصفحة 2793 من 27345

كما أن هذه السياسة الإسلامية نفسها لا تنافي أبدًا الحكم الدستوري الشورى ، وهي واضعة أصله ومرشدة الناس إليه في قوله تعالى من أوصاف المؤمنين (وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) (الشورى:38) ، وقوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) (آل عمران:159) ، وقد كان صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه وينزل علي رأي الفرد منهم متي وضح له صوابه كما فعل ذلك مع الحباب بن منذر في غزوة بدر ، ويقول لأبي بكر وعمر: (لو اجتمعتما ما خالفتكما) ، وكذلك ترك عمر الأمر شوري بين المسلمين ، ومازال المسلمون بخير ما كان أمرهم شورى بينهم .

سعة التشريع الإسلامي

كما أن تعاليم الإسلام وسياسته ليس فيها معني رجعي أبدًا ، بل هي علي أدق قواعد التشريع الصالح ، وقد اعترف التشريع لكثير منها ـ وسيكشف الزمن للناس علي جلاله ما لم يعرفوا ـ بأنها قد سبقته في دقة الأحكام وتصوير الأمور وسعة النظر ، وشهد بذلك كثير من غير المسلمين كما ورد كثيرًا في كلام"الميسو لامبير"و إضرابه ، وأكدت ذلك مؤتمرات التشريع الدولية علي أن الإسلام قد وضع من القواعد الكلية ما يترك للمسلم بابًا واسعًا في الانتفاع بكل تشريع نافع مفيد لا يتعارض مع أصول الإسلام ومقاصده و أثاب علي الاجتهاد بشروطه ، وقرر قاعدة المصالح المرسلة ، واعتبر العرف ، واحترم رأي الإمام . كل هذه القواعد تجعل التشريع الإسلامي في الذروة السامية بين الشرائع والقوانين والأحكام .

هذه معان أحب أيها السادة أن تذيع بيننا وأن نذيعها في الناس ، فإن كثيرين لازالوا يفهمون من معنى النظام الإسلامي ما لا يتفق بحال مع الحقيقة ، وهم لهذا ينفرون منه ويحاربون الدعوة إليه ، ولو فقهوه علي وجهه لرجعوا به ولكانوا من أوائل أنصاره وأشدهم تحمسًا له وأعلاهم صوتًا في الدعوة إليه .

الحزبية السياسية

أيها الأخوة الكرام ..

بقي للسياسة معني آخر يؤسفني أن أقول أنه وحده هو المعني الذي يرادفها ويلازمها بغير حق في أذهان كثير منا ، ذلك هو (الحزبية) .

وإن لي في الحزبية السياسية آراء هي لي خاصة ولا أحب أن أفرضها علي الناس فإن ذلك ليس لي ولا لأحد ، ولكني كذلك لا أحب أن أكتمها عنهم ، وأري أن واجب النصيحة للأمة ـ وخصوصًا في مثل هذا الظروف ـ يدعوني إلي المجاهرة بها وعرضها علي الناس في وضوح وجلاء ، وأحب كذلك أن يفهم جيدًا أني حينما أتحدث عن الحزبية السياسية فليس معني هذا أني أعرض لحزب دون حزب ، أو أرجح أحد الأحزاب علي غيره ، أو أن أنتقص أحدها وأزكي الأخر ، ليس ذلك من مهماتي ، ولكني سأتناول المبدأ من حيث هو ، وسأعرض للنتائج والآثار المترتبة عليه ، وأدع الحكم علي الأحزاب للتاريخ وللرأي العام والجزاء الحق لله وحده (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا) (آل عمران:30) .

أعتقد أيها السادة ، أن الحزبية السياسية إن جازت في بعض الظروف في بعض البلدان ، فهي لا تجوز في كلها ، وهي لا تجوز في مصر أبدًا ، وخاصةً في هذا الوقت الذي نستفتح فيه عهدًا جديدًا ، ونريد أن نبني أمتنا بناء قويًا يستلزم تعاون الجهود وتوافر القوي والانتفاع بكل المواهب ، والاستقرار الكامل والتفرغ التام لنواحي الإصلاح . إن وراءنا في الإصلاح الداخلي منهاجًا واسعًا مطولًا ، يجب أن نصرف كل الجهود إلي تحقيقه ، لإنقاذ هذا الشعب الدائم الحيوية ، الجم النشاط ، المجهز بكل وسائل النشاط ، الذي لا ينقصه إلا القيادة الصالحة والتوجيه القويم ، حتى يتكون أصلح تكوين ، يقضي علي الضعف والفقر والجهل والرذيلة ، وهي معاول الهدم وسوس النهضات ، وليس هنا محل تفصيل هذا المنهاج فذلك له وقت آخر ، وأنا أعلم أننا جميعًا نشعر بثقل وطأة الأعباء ، وبالمجهودات العظيمة التي يجب أن تبذل في سبيل التنظيم الداخلي في كل مظاهر الحياة .

وأعتقد كذلك أننا جربنا الوحدة مرتين , كانت كل واحدة منهما ألمع نجم في تاريخ النهضة , أما أولاهما ففي فجر النهضة حينما برزت الأمة صفا متحدا تنادي بحقها وتطالب باستحقاقها في اجتماع أفزع الغاصبين وروع المستعمرين ووهنت أمام سلطانه قوى الظالمين , أما الثاني فحين تكوين الجبهة الوطنية التي خطت بنا خطوة مهما كانت قصيرة فهي إلى الأمام على كل حال , وجربنا التفرقة في مرات كثيرة من قبل ومن بعد فما رأينا إلا تمزيق الجهود , وإحباط الأعمال , وإفساد الشؤون , وإتلاف الأخلاق , وخراب البيوت وتقطيع الأرحام , واستفادة الخصوم على حساب المختلفين المتنابزين

الحزبية والتدخل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت