فهرس الكتاب

الصفحة 2890 من 27345

وقد أدّى كل ذلك إلى اختصار الوقت وتحسين الإنتاجية وتخفيف العبء عن البدن. ومع تقدم والوسائل والآلات، تولد معايير جديدة للتحضّر؛ فالإنسان المتخلف اليوم كثيرًا ما يكون كذلك بسبب عدم رغبته أو عدم قدرته على استخدام الأدوات التي يستخدمها معاصروه. وهذا يعني أن الأمم التي تقود حركة الإنتاج العالمي هي التي تصنع مواصفات التقدم والتخلف، وهذا مع كل المميّزات التي حققها، يزيد في أعباء الأمم الفقيرة التي لا تستطيع إنتاج الآلات، ولا تجد المال الكافي لاستيرادها، وهذه الوضعية تغذي حالة الفقر وترسخها. إننا سوف ندهش إذا تأملنا في الوقت الذي توفَّر لربة المنزل بسبب وجود الآلات الحديثة، لكن معظم النساء صار وقت الفراغ وبالًا عليهن ومصدرًا كبيرًا للإزعاج لهنّ، وذلك بسبب مواكبة التقدم الإنساني للتقدم التقني والصناعي.

9 -في الماضي كانت أوصال العالم مقطّعة، وكانت الصّور الذهنيّة التي تكوّنها الشعوب عن بعضها مشوّهة ومشوّشة، بل إن أذهان الشعوب مملوءة بالخرافات والترّهات حول الأوضاع والعادات السائدة في المجتمعات المغايرة والبعيدة، وبسبب نقص المعلومات فإن كل وجهات النظر التي كانت يسمها شعب عن شعب آخر كانت تُتلقى على أنها حقائق قاطعة لا تحتمل الجدل. وقد تغير كل ذلك بسبب سهولة الانتقال وسهولة الاتصال، والبث الفضائي اليوم يضع بين أيدينا كل ما نريد معرفته عن شعوب الأرض على نحو لم يسبق له مثيل. هذا كله يعني أن الوعي الذاتي آخذ في التحسن؛ إذ إن رؤية الآخرين على ما هم عليه في واقع الحال تحسّن مستوى رؤيتنا لأنفسنا، وهذا يشكل مكسبًا عظيمًا، لكن الذي يحول دون الاستفادة الكاملة من معرفة الآخر هو ما نعانيه من ضعف وقصور في محاكاتنا العقلية، وفي قوى الاستبصار ونظم الإدراك والتفسير، ولكن هذا لن يدوم، وسنشهد مع الأيام الكثير من التقدم في كل هذا.

10-التطوّر المذهل في وسائل الاتصال آخذ في تخفيف الحاجة إلى السفر والانتقال، فهناك اليوم إمكانية ممتازة لعقد اجتماعات بالصوت والصورة بين أشخاص يعيشون في قارات مختلفة. كما أن من الممكن للمرء أن يتلقى تدريبًا جيدًا، ويحصل على شهادة في علم من العلوم دون أن يغادر بيته وذلك عن طريق (الإنترنت) ، كما أن في إمكان المرء أن يبيع ويشتري في أسواق تبعد عنه آلاف الأميال. والتقدم في برامج الترجمة الآلية، يخفف من مشكلات التباين اللغوي، ويجعل الاتصال المعرفي أسهل.

11-مع التقدم الحضاري المتسارع يعود شيء من الاعتبار للقدرات الذاتية والمهارات الشخصية، وصار في إمكان أعداد متزايدة من الناس أن يصبحوا أصحاب ثروات عريضة دون أن يكونوا من أبناء الأسر الغنية أو ممن ورثوا عن آبائهم المجد والمال.

إذا امتلك الشاب فكرة لمشروع ناجح، فإن في إمكانه أن يبيعها، ويصبح من وراء ثمنها في عداد الموسرين، وإذا نمّى الشاب ملكاته وإمكاناته الإدارية فإن في إمكانه أن يحصل على دخل عالٍ من وراء إدارة جيدة لمشروع جيد.

إن التمويل لأي مشروع صار اليوم سهلًا، وصارت الفكرة الذكية والقدرة على الإشراف والمتابعة محورًا مهمًا للنجاح. وفي إمكان كثير من الشباب التأهل لذلك والإبداع فيه من غير الحاجة إلى المال.

لا أريد أن أفيض أكثر فأكثر في الإمكانات المتزايدة، لكن أريد أن أوضح الشروط الجوهرية للاستفادة من كل ذلك، وهي ليست كثيرة.

ولعل من أهمها الآتي:

1-التخلص من الأفكار القديمة والسائدة حول الممكن و (المستحيل العادي) والقريب والبعيد والسهل والصعب، والاحتفاظ بقدر جيد من الانفتاح على المعطيات الجديدة. والنظر بعين الاتهام إلى معلوماتنا الحالية تجاه ما يمكن لنا الاستفادة منه.

2-الاعتقاد بأن ما لدينا من نظم وترتيبات وأساليب.. يشوبه النقص -كما هو شأن كل ما ينظمه البشر- ويظلّ قابلًا للتطوير والتحسين. ومع أن هذه النظرة مكلفة جدًا إلا أنها شرط أساسي في مقاومة التكلّس.

3-ترتيب أوضاعنا الخاصة والعامة على أساس أن لدى الآخرين شيئًا يمكن أن نتعلمه منهم. والنظر إلى الآخر المناوئ والمخاصم بأنه يشكل تحدّيًا، كما أن لديه في الوقت نفسه شيئًا من الحلّ لما نعاني منه.

4-إدخال عنصر الوقت في حل أي مشكلة تواجهنا، وفي تخفيف أي إنجاز نريد تحقيقه، وعدم النظر إلى الأمور من زاوية معطياتها الحالية، وإنما من أفق تطورها واتجاهات سيرورتها.

5-تنظيم الذات والتحفز المستمر نحو استيعاب الجديد والبحث عنه والتغيير في الرؤية وفق معطياته.

6-إن شرط كل الشروط وأساس كل الأسس هو الإرادة الصُّلبة والقدرة على الاستمرار والمثابرة في الأداء والعطاء. وشيء بدهي أن يستعين المسلم في كل ذلك بالله -جل وعلا- ويخلص له في أمره كله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت