فهرس الكتاب

الصفحة 2894 من 27345

وإذا كان هذا هو فحوى الحديث، فليس هو من السخط على المجتمع في شيء حتى يحتاج صاحبه إلى هذه المقالة لترد عنه سخطه على مجتمعه؛ ذلك أن الساخط يائس، واليائس لا تجد في لغة خطابه وفحوى كلامه الدعوة إلى ضرورة الإصلاح والتصحيح.

ثم ما جدوى هذه المقالة؟ فهل كان المجتمع في مقام المحاكمة حتى يحتاج التنبيه والتذكير بفضائله.!!، وهل كان محكومًا عليه بأنه لا يصلح للحياة!!.

أما إننا وجدنا تلك المقالة السخيفة عديمة الجدوى والفائدة، بل لقد وجدناها في مصاف الأسباب المفضية إلى زيادة الشر واستفحال الفساد، لأنها تبدد عزائم الإصلاح في نفوس سامعيها، وتدعو إلى الرضا بالحال وإن كان سيئًا يستوجب التغيير، كما أن ترديدها يُغري الناس إلى الاطمئنان الزائف بواقع المجتمع وإن تفاقمت فيه الجرائم والأخطار. فلا يزال الناس على ذلك الاطمئنان مخدوعين حتى تفوت فرصة الإصلاح والاستدراك .

وأما المذنب، فإنه يصر على ذنبه، ويسوَّغ ذنبه وجرمه بمنطق هذه المقالة الخطيرة: أنا خير من غيري، وأهون منه ذنبًا. أو اللسان الجمعي: مجتمعنا أحسن من غيره، والفساد فيه أقل .

لو صح هذا المنطق لنا، لصح - كذلك- لغيرنا، فما من مذنب أو مجرم إلا ويجد من المذنبين من هو أشدُ منه جرمًا، وأقبح منه ذنبًا. ولن يعجز أن يُهون من شأن جرمه ومعصيته بمثل هذه المقارنات المغلوطة .

وهكذا تتسلسل هذه المقارنات لاستصغار الذنب وتسويفه، فلا تنتهي - من خلال هذا المنطق الفاسد- إلا عند إبليس لعنه الله، إذ ليس أحد أظلم منه ولا أعظم منه ذنبًا.

ولذا، فإن من الواجب المتحتم علينا- إن كنا صادقين جادين في قضية الإصلاح- أن نهجر مقالة"نحن لا نزال بخير، ومجتمعنا خير من غيره"إلى غير رجعة .

صنفان يجب ألا يكون لهم وجود في دعوة الإصلاح والتغيير .

الصنف الأول: أولئك المتشائمين الذين يرون أن الفساد أصل في الحياة وطبع فُطِر عليه البشر .

الصنف الآخر: هؤلاء المفرطون في التزكية والثناء، الذين يضيقون ذرعًا بخطاب الإنذار والتحذير من مغبة ظهور الفساد واستطالة الشر وانتشار الجرائم.

والعجيب أن هذين الصنفين على ما بينهما من هذا التباين والتضاد إلا أنهما يعملان في أثر واحد، وهو إجهاض مشروع الإصلاح.

فالصنف الأول: مَدْخَلُه لذلك من باب اليأس من الإصلاح بسبب التشاؤم .

وأما الآخر: فمَدْخَلُه لذلك من باب بث الاطمئنان الزائف الذي يفتر الهمم عن النهوض للإصلاح، فإن الانتهاء بالحديث من هذين الصنفين لا يعني انتهاء الحديث عن قضية الإصلاح؛ فإن الحديث عنها لم يبتدئ بعد، فكل ما سبق إنما هو عن تصفية بعض المعوقات .

ولا يزال للحديث بقية نستكملها عن بعض مقوَّمات الإصلاح وسبله بإذن الله تعا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت