فهرس الكتاب

الصفحة 2903 من 27345

أقول ذلك بمناسبة الفرق الشاسع والبون الواسع بيننا وبين سلفنا في كل شيء، إذ لا مجال للمقارنة، علمًا بأن الجميع مكلفون، والكل سواسية في نظر الشرع، ولنضرب لذلك مثلًا واحدًا لبعض المستضعفين الغرباء، وهم مهاجرة الحبشة بقيادة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم، في ثباتهم على دينهم، وعدم تنازلهم عنه، ولو أدى ذلك إلى هلاكهم، وبين استكانة المسلمين اليوم حكامًا، وعلماء، ودعاة، وعامة، وتنازلهم عن أصول دينهم وثوابتهم، بما أدهش الكافرين أنفسهم، وزاد من جرأتهم على غزو ديار الإسلام، وإهانة أبنائه، وشيوخه، ونسائه، وما حدث ويحدث في فلسطين، والعراق، وأفغانستان ليس ببعيد عنا، ولا أنسى أن أذكر بثالثة الأثافي، وهو ما حدث ويحدث في سجن أبي غريب بالعراق، حيث أهينت وخدشت العفة، وانتهكت الأعراض، ومارس فيها الأمريكان والبريطان ما يستحي منه بعض الحيوان.

أخرج أحمد1 وغيره بسند قوي عن ابن مسعود رضي الله عنه قال:"بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي، ثمانين رجلًا: أنا، وجعفر، وأبوموسى، وعبد الله بن عُرْفطة، وعثمان بن مظعون؛ وبعثت قريش عمرو بن العاص وعُمارة بن الوليد بهدية، فقدما على النجاشي، فلما دخلا سجدا له وابتدراه، فقعد واحد عن يمينه، والآخر عن شماله، فقالا: إن نفرًا من قومنا نزلوا بأرضك، فرغبوا عن ملتنا؛ قال: وأين هم؟ قالوا: بأرضك؛ فأرسل في طلبهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم؛ فاتبعوه، فدخل فسلم، فقالوا: مالك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا نسجد إلا لله؛ قالوا: ولِمَ ذلك؟ قال: إن الله أرسل فينا رسولًا، وأمرنا أن لا نسجد إلا لله، وأمرنا بالصلاة والزكاة؛ فقال عمرو: إنهم يخالفونك في ابن مريم وأمه؛ قال: ما تقولون في ابن مريم وأمه؟ قال جعفر: نقول كما قال الله: روح الله وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر؛ فرفع النجاشي عودًا من الأرض، وقال: يا معشر الحبشة والقسيسين والرهبان! ما تريدون، ما يسوءني هذا! أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى في الإنجيل، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته، فأكون أنا الذي أحمل نعليه وأوضئه."

وقال: انزلوا حيث شئتم؛ وأمر بهدية الآخر فرُدَّت عليهم"."

والله يحتار الإنسان أيعجب من موقف جعفر وأصحابه وثباتهم على الحق وعلى عدم التنازل، أم من صدق النجاشي وشجاعته؟!

وبضدها تتميز الأشياء، وتستبين المواقف والآراء، ويتضح الحق بجلاء، مقابل هذا الثبات، وتلك التضحيات من السلف الكرام، نجد الاستكانة، والتنازلات، والمسارعة بخطب ود من نهانا الله عن موالاتهم والتشبه بهم، واتخاذهم حلفاء وأصدقاء.

يتمثل ذلك في أقبح صوره في الآتي:

1.الدعوة إلى توحيد الأديان أوالتقارب بينها.

2.الدعوة إلى التعايش السلمي مع الكفار من اليهود والنصارى.

3.محاولة البعض نفي الكفر عن اليهود والنصارى.

4.التجسس لصالح الكفار.

5.العمل في المنظمات الدولية التي يهيمن عليها الكفار.

6.الحكم نيابة عنهم في البلاد التي استعمروها، كما هو الحال في العراق وأفغانستان.

7.تطبيع العلاقات مع الكفار المحاربين، لاسيما الدولة الصهيونية.

8.القتال تحت رايتهم.

9.الاستعانة بهم في القتال.

واللهَ أسأل أن يؤلف بين قلوب المسلمين، ويهديهم سبل السلام، وأن يردهم إليه ردًا جميلًا، وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه ومن والاهم بإحسان

في آية التغيير: تغيير الله وتغيير القوم

من كتاب (( حتى يغيروا ما بأنفسهم ) )

تغييران

وينبغي أن لا تفوتنا هذه الملاحظة. لأن نص الآية، على حسب قواعد الإعراب، أن فاعل التغيير الأول، المذكور في الآية، هو الله سبحانه وتعالى، وفاعل التغيير الثاني، هم القوم، أو المجتمع، وإن كانت القدرة التغييرية الثانية، هي هبة من الله تعالى للقوم وإقدار منه تعالى للمجتمع على ذلك. وعلينا أن لا ننسى هذا التوزيع في العملية التغييرية، لأنه كثيرًا ما يغيب عنَّا ما يخص الإنسان من التغيير، ويختلط علينا الأمر، وهذا الغموض، يفقد الإنسان ميزته وإيجابيته في عملية التغيير.

وإن أي ظن، أو طمع، في أن يحدث الله هذا التغيير الذي جعله من خصوصياته - إلا وهو الجانب الذي يتعلق بما بالقوم وليس بما بالنفس -قبل أن يكون القوم هم بأنفسهم قاموا بتغيير ما بأنفسهم.

إن هذا الظن، والإغفال لهذه السنة الدقيقة المحكمة، يبطل النتائج المترتبة على سنة هذه الآية.

في الآية ترتيب بين حدوث التغييرين

والتغيير الذي ينبغي أن يحدث أولًا، هو التغيير الذي جعله الله مهمة القوم وواجبهم، بأقدار الله تعالى لهم على ذلك. وإن حدوث أي تهاون في الخلط بين التغييرين، وإدخال التغيير الذي يحدثه الله بالتغيير الذي يقوم به القوم، أو العكس، يفقد الآية فعاليتها، وتضيع فائدة السنة الموجودة فيها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت