فهذا الذي يسميه ابن خلدون باطن التاريخ ؛ هو الذي سميناه القسم الخاص بالأقوام، في تغيير ما بالأنفس مما أقدرهم الله عليه، وعلى أساسه حملهم أمانته. وابن خلدون يربط التغيير الأول بالتغيير الثاني، ولكن بعد هذا لم يلح على كيفية قيام البشر بهذا الواجب. ولا حرج عليه فهو يدرك أهمية ما كشف ويشعر بإمكان زيادته. وفي الواقع إن القارئ العادي قد لا يعطي لابن خلدون قيمته الحقيقية، لأن الذي يعرف الفضل من الناس ذووه، فإن من عرف وتمرس على معرفة (كيف بدأ الخلق) ، هو الذي يقدر ما فعل ابن خلدون. أما من لا يعرف كيف وجدت العلوم، ولا كيف تقدمت، ويظن أن الأمر وجد هكذا، فهذا لا يمكنه أن يقدر عمل ابن خلدون، وقد كان ابن خلدون يعرف طبيعة عمله حين قال عن كتابه: لإنه ضمنه علومًا غريبة، وحكمًا محجوبة قريبة، فهذه المحجوبة القريبة هي التي تخفى على الناس، ولهذا قال ابن خلدون، في عبقرية نفاذة، عن المؤرخين واستيعابهم للأخبار وجمعهم لها: « … وأدَّوها إلينا كما سمعوها، ولم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال ولم يراعوها فالتحقيق قليل، والتقليد في الآدميين عريق وسليل، والتطفل على الفنون عريض وطويل … فللعُمران طبائع في أحواله، ترجع إليها الأخبار، وتحمل عليها الروايات والآثار … ثم إذا تعرضوا لذكر الدولة نسَّقوا أخبارها مسبقًا … لا يعترضون لبدايتها، ولا يذكرون السبب الذي رفع من رايتها وأظهر من آيتها، ولا علَّة الوقوف عند غايتها، فيبقى الناظر متطلعًا بعد إلى اقتفاء أحوال مبادئ الدول ومراتبها، مفتشًا عن المقنع في تباينها أو تناسبها » ص11.
إن عدم إدراك مشكلة العالم الإسلامي بهذا المستوى، هو الذي يجعل شباب العالم الإسلامي متطلعًا إلى افتقاد أحوال مبادئ المشكلة.
إن ابن خلدون جعل محور بحثه عن الدول، ولكن إدراك الموضوع على أساس الحضارة، ينطبق عليه نفس النظر. وهذا ما يحتاج إليه العالم الإسلامي لبحثه كثقافة حضارة لا كدولة، إذ الدولة جزء من الحضارة ونتاج لها.
وما أحوج العالم الإسلامي والعالم كله، إلى بذل ما يستحقه البحث في أصول الحضارة في هذا العصر، كما فعل ابن خلدون، مع اختلاف المستوى، ولكن الروح التي بدأ بها ابن خلدون بحثه، هي التي تجعل كل من ينظر إليه لا يتمالك من الإعجاب مع قصور كثير من أمثلته ومباحثه قال:
(ولما طالعت كتب القوم، وسبرت غَوْرَ الأمس واليوم، نبَّهتُ عَيْنَ القريحة من سنة الغَفْلةِ والنوم.. فأنشأتُ في التاريخ كتابًا، ورفعت به عن أحوال الناشئة من الأجيال حِجَابًا، وفَصَّلتُهُ في الأخبار والاعتبار بابًا بابًا، وأبديتُ فيه لأولية الدول والعمران عللًا وأسبابًا، فذهبت مناحيه تهذيبًا، وقربته لأفهام العلماء والخاصة تقريبًا، واخترعته من بين المناحي مذهبًا عجيبًا، وطريقة مُبْتَدَعَةً وأسلوبًا، وشرحت فيه من أحوال العُمران والتمدن، وما يعرض في الاجتماع الإنساني عن العوارض الذاتية ما يُمتعك بعلل الكوائن وأسبابها، ويُعرفك كيف دخل أهل الدول من أبوابها، حتى تنزع من التقليد يدك، وتقف على أحوال من قَبلكَ من الأيام والأجيال وما بعدك) . ص 11.
فائدة إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم
من الآفات الخفية العامة أن يكون العبد في نعمة أنعم الله بهاعليه واختارها له. فيملها العبد ويطلب الانتقال منها إلى ما يزعم لجهله أنه خير له منها، وربه برحمته لا يخرجه من تلك النعمة، وبعذره بجهله وسوء اختياره لنفسه، حتى إذا ضاق ذرعا بتلك النعمة وسخطها وتبرم بها واستحكم ملله لها سلبه الله إياها. فإذا انتقل إلى ما طلبه ورأى التفاوت بين ما كان فيه وما صار إليه، اشتد قلقه وندمه وطلب العودة إلى ما كان فيه، فإذا أراد الله بعبده خيرا ورشدا أشهده أن ما هو فيه نعمة من نعمه عليه ورضاه به وأوزعه شكره عليه، فإذا حدثته نفسه بالانتقال عنه استخار ربه استخارة جاهل بمصلحته عاجز عنها، مفوض إلى الله طالب منه حسن اختياره له.
وليس على العبد أضر من ملله لنعم الله. فإنه لا يراها نعمة ولا يشكره عليها ولا يفرح بها، بل يسخطها ويشكوها ويعدها مصيبة. هذا وهي من أعظم نعم الله عليه، فأكثر الناس أعداء نعم الله عليهم ولا يشعرون بفتح الله عليهم نعمه، وهم مجتهدون في دفعها وردها جهلا وظلمًا. فكم سعت إلى أحدهم من نعمة وهو ساع في ردها بجهده، وكم وصلت إليه وهو ساع في دفعها وزوالها بظلمه وجهله، قال تعالى: {ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [1] وقال تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [2] ، فليس للنعم أعدى من نفس العبد، فهو مع عدوه ظهير على نفسه. فعدوه يطرح النار في نعمه وهو ينفخ فيها، فهو الذي مكنه من طرح النار ثم أعانه بالنفخ، فإذا اشتد ضرامها استغاث من الحريق وكان غايته معاتبة الأقدار:
حتى إذا فات أمر عاتب القدرا. ... وعاجز الرأي مضياع لفرصته