فهرس الكتاب

الصفحة 2974 من 27345

فينبغي للمسلم أن يشح بدينه، وأن يكون حريصا عليه، والأمر لايقف عند هذه الصورة القريبة فقط، فالشاب الذي يشعر أن التطلع إلى صورة عارية، أو إلى مجال فيه سفور وتبرج، أوصحبة لفلان من الناس، الذي يشعر أن هذا قد يسبب له فتنة في دينه فشحه بدينه وحرصه عليه ينبغي أن يدفعه ترك هذه المؤثرات والبعد عنها

الوقفة الثامنة عشرة: العواقب لا يعلمها إلا الله:

لقد كان هؤلاء الفتية يحذرون من عثور قومهم عليهم، ويعتقدون أن هذا الأمر ليس خيرًا لهم، لكن حين عثر عليهم قومهم صار الأمر غير ذلك؛ فالعواقب لا يعلمها إلا الله.

إن الواجب على المسلم أن يأخذ الأسباب ويتعامل مع الأمور الظاهرة الواضحة، ثم يكل الأمر إلى الله ويسلمه إليه، فكثيرًا ما يحرص المرء على أمر عاقبته ليست خيرًا له، أو يقلق على ما تكون عاقبته حميدة من حيث لا يشعر، كما قال عز وجل: (وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم) وقال: (فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئًا ويجعل الله فيه خيرًا كثيرًا) .

وهاهو سراقة بن مالك لما لحق النبي r وصاحبه وهما مهاجرين، خشي أبو بكر - رضي الله عنه - من لحوقه بهم، وكان يتمنى ألا يدركهم، لكن حين أدركهم أصبح يصد الناس عنهم؛ فمن لقيه في طريقه قال له: لقد كفيتم ما هاهنا، فكان أول النهار طالبا لهم عين لهم وآخر النهار صادًا؛ فصار لحوقه بهم خيرًا لهم في حين كانوا يظنون خلافه.

والنموذج الآخر في صلح الحديبية، فقد اعترض المسلمون على شروط الصلح، وأشد ما اعترضوا عليه منه: اشتراط إعادة من فر من المسلمين إلى المشركين، وثبت فيما بعد أن هذا الصلح كان خيرًا للمسلمين، وكان هذا الشرط بالأخص خيرًا للمستضعفين من المسلمين وسببًا في نجاتهم، وجاء المشركون يطلبون من النبي rملحين عليه أن يتنازل عن هذا الشرط.

والنموذج الثالث في قصة عائشة رضي الله عنها حينما قذفت بالفرية العظيمة، ولم يدر في خلدها رضي الله عنها أن الأمر خير لها، بل لم يكن أحد يظن أن قذف عائشة رضي الله عنها ستكون عاقبته خيرا لها.

ثم نزلت براءتها في آيات تتلى إلى يوم القيامة، وفيها قوله تعالى: (لاتحسبوه شرًا لكم بل هو خير لكم) وأجمع أهل العلم بعد ذلك أن من قذف عائشة رضي الله عنها، فقد كفر وكذَّب الله عز وجل.

الوقفة التاسعة عشرة: عبرة في زوال الدنيا:

حين استيقظ الفتية تساءلوا عن لبثهم، فقالوا يومًا ثم استدركوا قائلين: بعض يوم، وهذه حقيقة الدنيا فهي كلها بما فيها ستتحول يوم القيامة إلى ساعة من نهار، وسيكون منطق أهلها حين يبعثون كمنطق الفتية حين استيقظوا (ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار يتعارفون بينهم) .

هذه بعض الوقفات وهي -كما قلت - ليست تفسيرًا لهذه السورة ولا لهذه الآيات، إنما هي إشارات وعبر، وكلما قرأنا هذه الآيات ووقفنا عندها سوف نستنبط منها دروسًا وعبرًا أعجب وأعظم مما يبدو لنا، وهذا من عجائب القرآن الذي لا تنقضي عجائبه، ولا يمل منه الإنسان، وكل يوم يتدبر فيه ويتلوه يستنبط فوائد جديدة لم يكن يستنبطها من ذي قبل، وهذا كلام الله عز وجل لا يمكن أبدًا أن يقاس بكلام خلقه.

أسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم جميعًا وأن يهدينا وإياكم إلى صراط مستقيم إنه سميع مجيب هذا والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت