فهرس الكتاب

الصفحة 3013 من 27345

كذلك فقد فرق الدين الحق بين الألوهية والنبوة، وبين النبوة والإنسان على نحو يحول جون هذا الخلط الذي تقع فيه الأساطير بين آلهة وإنصاف الآلهة وبين الأبطال، وبذلك دحض فكرة أن يكون هناك آلهة لكل عالم من العوالم كآلهة الجبال والأمطار والرياح والحرب والخمر والجمال، او أن يكون هناك أنصاف آلهة من الأبطال القادة: وسجل هذا سيدنا يوسف على قومه من وقت بعيد حيث قال:

{أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار، ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان، إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون} يوسف: 39، 40.

وهكذا جاءت أديان السماء، لتنسخ هذا الزيف جيلًا بعد جيل، فعلى لسان كل نبي كانت الدعوة إلى تحرير البشرية من هذه الوثنية ومن عبادة الأوثان والأصنام والتماثيل.

خرافات الإلياذة والأوديسة:

والمعروف أن هذه الآلهة المدعاة لم تكن إلا بشرًا، أعطى من القداسة قدرًا أخرجه عن طبيعة البشر فوصف بمثل هذه الصفات الزائفة على النحو الذي نراه في ملاحم الإغريق وكملحمة الأوديسة والإلياذة، من أن الآلهة عند الإغريق حاقدون على البشر، وإنها قاسية على الكائنات الأخرى يغضبون فيحولونهم إلى حيوانات أو نباتات أو أحجار أو مياه وقد وصفها الشاعر"أوفيد"بأنها ينابيع النار والدمار والهوان لكل الآداب العالمية.

ويرجع وصف الآلهة بالقسوة إلى ما أوردته التوراة بأقلام الأحبار من وصف لله {جل وعلا عما يقولون علوًا كبيرًا} بالإله المنتقم القاسي.

المترجمون المسلموت أهملوا ترجمة الأساطير:

ترجمت إلى اللغة العربية في العصور الأخيرة إعداد من الملاحم والأساطير اليونانية والفارسية، وقد غفل القائمون على هذه الأعمال عن أن العرب في إبان نهضة الترجمة تنكبوا ترجمة الملاحم والقصة والشعر بقصد واضح، هو أنها تمثل"عواطف"و"مشاعر"أمم تختلف عن العرب في عقائدها وعاداتها وتقاليدها، ولكن ترجمة هذه الأساطير في العصور الأخيرة، جاء في مرحلة ضعف العرب والمسلمين عن مواجهة تيار الترجمة الخطير، الذي قادته قوى التغريب والغزو الثقافي، بهدف طرح سموم الوثنية في أفق الفكر الإسلامي.

ذلك أن الملاحم إنما تقوم على تصور أحداث غير صحيحة في طبيعتها، وإنما هي موضوعة على طريقة التهويل والإثارة وتضخيم الأحداث، وتدافع الخيال في أمواج من الخوارق التي تتنافى مع طبيعة النفس العربية والإسلامية ومع واقع الحياة نفسها، وقد قصد بإنشاء هذه الملاحم والأساطير في بيئاتها تغيير وجهة الناس وتفكيرهم عن واقعهم المرير، إلى أجواء من الوهم والخيال، ومن هنا فقد أعرضت الطبيعة العربية الإسلامية القائمة على الفطرة والبساطة والواقع والصدق عن هذه الملاحم، هذه الطبيعة التي تستمد مقوماتها من خصائص مختلفة عن هذه الأحقاد والأهواء والمطامع والقتل والتدمير، فالنفس العربية الإسلامية تستمد خصائصها من الشهامة والكرامة والفروسية بكل مقومات المروءة وحماية الذماء والدفاع عن الجار وصفات الكرم والشجاعة وإغاثة الملهوف.

وأغض طرفي إن بدت لي جارتي * * * حتى يواري جارتي مأواها

هذه الخصائص العربية الإسلامية بعيدة عن المبالغة والعنف وصناعة الوقائع الأسطورية، مرتفعة عن الخوارق عازفة عن الأهواء المضلة، هذه الطبيعة في الحقيقة استمدها العرب والمسلمون من ميراث الأديان والنبوة بدءا الحنيفية الإبراهيمية السمحاء ومتصلة بالنبوة المحمدية الكريمة، ولذلك فقد رفضوا هذا اللون من الملاحم والأساطير وأعرضوا عنها، خاصة وقد قدم لهم القرآن الواقعة الصحيحة والتاريخ الصحيح لكل ما حاولت الأساطير تصويره بالخداع والباطل: من أمثال الطوفان وأهل الكهف وسليمان الحكيم وذي القرنين {نحن نصقص عليك نبأهن بالحق} ، {ننح نقص عليك أحسن القصص} .

نزعات لا يقبلها الإسلام:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت