قال الإمام أبو يوسف صاحب الإمام أبي حنيفة _رحمهما الله_:"الخصومة في الدين بدعة، وما ينقض أهل الأهواء بعضهم على بعض بدعة محدثة. لو كانت فضلًا لسبق إليها أصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_ وأتباعهم، فهم كانوا عليها أقوى ولها أبصر، وقال الله _تعالى_:"فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي لله ومن اتبعن" [آل عمران:20] ، ولم يأمره بالجدل، ولو شاء لأنزل حججًا، وقال له: قل كذا وكذا".
وقال ابن قتيبة _رحمه الله_ يصف الحال في أيام السلف _عليه الرحمة والرضوان_:"كان المتناظرون في الفقه يتناظرون في الجليل من الواقع والمستعمل من الواضح وفيما ينوب الناس فينفع الله به القائل والسامع، فقد صار أكثر التناظر فيما دق وخفي، وفيما لا يقع وفيما قد انقرض.. وصار الغرض فيه إخراج لطيفة، وغوصًا على غريبة، وردًا على متقدم..."
وكان المتناظرون فيما مضى يتناظرون في معادلة الصبر بالشكر وفي تفضيل أحدهما على الآخر، وفي الوساوس والخطرات ومجاهدة النفس وقمع الهوى، فقد صار المتناظرون يتناظرون في الاستطاعة والتولد والطفرة والجزء والعرض والجوهر، فهم دائبون يخبطون في العشوات، قد تشعبت بهم الطرق، قادهم الهوى بزمام الردى.."."
فلما وقع الناس في الجدل تفرقت بهم الأهواء، قال عمرو بن قيس:"قلت للحكم بن عتبة: ما اضطر الناس إلى الأهواء؟ قال: الخصومات".
وقد روي عن أبي قلابة -وكان قد أدرك غير واحد من أصحاب رسول الله _صلى الله عليه وسلم_: لا تجالسوا أصحاب الخصومات فإني لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم بعض ما تعرفون.
قال معن بن عيسى:"انصرف مالك بن أنس _رضي الله عنه_ يومًا من المسجد وهو متكئ على يدي، فلحقه رجل يقال له أبوالحورية، كان يتهم بالإرجاء، فقال: ياعبدالله! اسمع مني شيئًا أكلمك به، وأحاجك وأخبرك برأيي."
قال: فإن غلبتني؟
قال: إن غلبتك اتبعني.
قال: فإن جاء رجل آخر فكلمنا فغلبنا؟
قال: نتبعه!
فقال مالك _رحمه الله_: يا عبدالله بعث الله _عز وجل_ محمدًا _صلى الله عليه وسلم_ بدين واحد وأراك تنتقل من دين إلى دين"."
وقال عمر بن عبدالعزيز:"من جعل دينه غرضًا للخصومات أكثر التنقل".
وجاء رجل إلى الحسن فقال:"يا أبا سعيد تعال حتى أخاصمك في الدين، فقال الحسن: أما أنا فقد أبصرت ديني، فإن كنت أضللت دينك فالتمسه"!
وإذا كان الجدل والمراء والخصومة في الدين مذمومة على كل حال فإنها تتأكد في حق المقلدة والجهال.
ويتأكد ترك المراء والجدل في كل مالا طائل من ورائه كملح العلوم والنوادر، وما لا يثمر عملًا غير السفسطة والتلاسن.
أسأل الله أن يجنبنا وإياكم فتن الشهوات والشبهات، وأن يردنا إليه ردًا جميلًا، وأن يؤلف بين قلوبنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.