وكذلك حديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال النبي يوم الأحزاب: ( لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلي لم يرد منا ذلك فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم) . رواه البخاري ، وعليه لا يكون قولنا متعلقًا بالمسائل الاجتهادية المحتملة القائمة على النصوص الشرعية ، شريطة أن لا تكون مخالفة نصًا صريحًا ، أو إجماعًا معتبرًا ، ولا يكون الولاء والبراء قائمًا عليها كما ذكر ، فهذه أمور تحول دون اجتماع الأمة ، وقد تجلى الاجتماع في أعلى صوره في واقع الصحابة رضي الله تعالى عنهم رغم اختلافاتهم المتعددة في كثير من المسائل الفقهية وغيرها ، ومع ذلك لم يؤد هذا الاختلاف إلى التفرق والتباغض بينهم بل كانوا إخوانًا بكل ما تحمل الكلمة من معنى قال تعالى: ( مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ) . (29) الفتح
ثانيًا: إن الله سبحانه حرم على المسلمين ،التفرق والاختلاف ، وكل ما يؤدي إلى التفرق والاختلاف فهو محرم ، من ذلك التحزب ، فهو من أبرز ما يفرق بين الأمة الواحدة ، وقد جاء الأمر باعتزال الفرق كلها كما في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه قال: ( كان الناس يسألون رسول الله عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركنى ، فقلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية وشر وجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر ؟ قال:"نعم"، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير ؟ قال:"نعم وفيه دخن"، قلت: وما دخنه ؟ قال:"قوم يهدون بغير هديي تعرف منهم وتنكر ."، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر قال:"نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها ."، قلت: يا رسول الله صفهم لنا ، قال:"هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا ."قلت: فما تأمرنى إن أدركنى ذلك ؟ قال:"تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ."، قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال:"فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك ) .رواه البخاري"
فهذا الحديث يدل بوضوح على وجوب التمسك بجماعة المسلمين وإمامهم ، واعتزال الفرق كلها في الحالة التي يكون المسلمون فيها من غير إمام أو جماعة ، ولكن الحديث لا يدل على اعتزال أهل الحق ، بل يدل على اعتزال الفرق المخالفة لأهل الحق ، ويدلنا على ذلك أمران:
أ: أن سياق الحديث يفصل بين الجماعة والإمام فقول حذيفة: ( فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ) يتبين منه أن الجماعة قد تكون من غير إمام ، أو الإمام من غير جماعة ، وإن كان الثاني بعيدًا لقيام الأدلة على خلافه ، إلا أنه قد تنفصل الجماعة عن الإمام حتى في وجوده ، كأن يكون الإمام مخالفًا لسبيل المؤمنين ، متبعًا للبدع والضلالة ، وقد وقع هذا في المسلمين على الحقيقة ،على خلاف الاحتمال الأول فهو محتمل الوقوع ، أي قد توجد الجماعة ولا يوجد الإمام ، كما هو الحال في هذا الزمان .
ب: قيام الأدلة على بقاء أهل الحق الطائفة المنصورة إلى قيام الساعة كما جاء في الحديث الصحيح عن الرسول قال: ( لا تزال طائفة من أمتي قائمين بأمر الله لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك ) .
ومن المعلوم ضرورة أن الرسول لا ينهى عن اعتزال هذه الطائفة الناجية ، بل ينهى عن اتباع من يخالفها ، وبما أن الحديث صريح الدلالة ببقاء هذه الجماعة إلى أن يرث الله سبحانه الأرض وما عليها ، فيكون العمل ضمن هذه الطائفة من أفضل العبادات التي يتقرب بها إلى الله سبحانه ، على خلاف العمل في الفرق المخالفة لها ، فهو من أكبر الكبائر ، وعليه تعلم أن المخالفين لهذه الطائفة المدعين للحق المبين ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:
1: المخالفون لها عقيدة ومنهاجًا: وهم الذين أعمى الله قلوبهم فضلّوا عن الصراط ، ومن أولئك الفرق المعادية لها الداعية إلى غير سبيلها .