فهرس الكتاب

الصفحة 3188 من 27345

"إن للجهد في هذه الأرض ثمرته. سواء تطلع صاحبه إلى أفق أعلى أو توجه به إلى منافعه القريبة وذاته المحدودة. فمن كان يريد الحياة الدنيا وزينتها فعمل لها وحدها، فإنه يلقى نتيجة عمله في هذه الدنيا ; ويتمتع بها كما يريد في أجل محدود ولكن ليس له في الآخرة إلا النار، لأنه لم يقدم للآخرة شيئًا، ولم يحسب لها حسابًا، فكل عمل الدنيا يلقاه في الدنيا. ولكنه باطل في الآخرة لا يقام له فيها وزن وحابط [من حبطت الناقة إذا انتفخ بطنها من المرض] وهي صورة مناسبة للعمل المنتفخ المتورم في الدنيا وهو مؤد إلى الهلاك!"

ونحن نشهد في هذه الأرض أفرادًا اليوم وشعوبًا وأمما تعمل لهذه الدنيا، وتنال جزاءها فيها، زينة، ولدنياها انتفاخ! فلا يجوز أن نعجب ولا أن نسأل: لماذا ? لأن هذه هي سنة الله في هذه الأرض: {من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون} .

ولكن التسليم بهذه السنة ونتائجها لا يجوز أن ينسينا أن هؤلاء كان يمكن أن يعملوا نفس ما عملوه ونفوسهم تتطلع للآخرة وتراقب الله في الكسب والمتاع فينالوا زينة الحياة الدنيا لا يبخسون منها شيئًا، وينالوا كذلك متاع الحياة الأخرى" [في ظلال القرآن، (ج4/ 18621863 ) ] ."

"إن العمل للحياة الأخرى لا يقف في سبيل العمل للحياة الدنيا. بل إنه هو هو مع الاتجاه إلى الله فيه. ومراقبة الله في العمل لا تقلل من مقداره ولا تنقص من آثاره ; بل تزيد وتبارك الجهد والثمر، وتجعل الكسب طيبًا والمتاع به طيبًا، ثم تضيف إلى متاع الدنيا متاع الآخرة. إلا أن يكون الغرض من متاع الدنيا هو الشهوات الحرام. وهذه مردية لا في الأخرى فحسب، بل كذلك في الدنيا ولو بعد حين. وهي ظاهرة في حياة الأمم وفي حياة الأفراد. وعبر التاريخ شاهدة على مصير كل أمة اتبعت الشهوات على مدار القرون" [في ظلال القرآن، (ج4 / 1863) ] .

عاشرًا: الشرك

قال تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ} [سورة التوبة: 17] .

فأعمالهم باطلة، و فاسدة أصلًا، ومنها عمارة بيت الله التي لا تقوم إلا على قاعدة من توحيد الله.

إن العبادة تعبير عن العقيدة ; فإذا لم تصح العقيدة لم تصح العبادة ; وأداء الشعائر وعمارة المساجد ليست بشيء ما لم تعمر القلوب بالاعتقاد الإيماني الصحيح، وبالعمل الواقع الصريح، وبالتجرد لله في العمل والعبادة على السواء" [في ظلال القرآن، (ج 3/ 1614) ] ."

وقال تعالى: {وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين} [سورة الزمر: 65] .

والله يقول للرسول صلى الله عليه وسلم: إن الله قد أوحى إليك كما أوحى إلى النبيين من قبلك أن الشرك يحبط العمل ويفسده، ويئول في النهاية إلى الخسران، الخسران الأكبر في الآخرة بدخول النار والعياذ بالله.

و قال تعالى: {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا} [سورة الفرقان: 23] .

"هذا يوم القيامة حين يحاسب الله العباد على ما عملوه من الخير والشر فأخبر أنه لا يحصل لهؤلاء المشركين من الأعمال التي ظنوا أنها منجاة لهم شيء وذلك لأنها فقدت الشرط الشرعي:"

إما الإخلاص فيها.

وإما المتابعة لشرع الله.

فكل عمل لا يكون خالصًا وعلى الشريعة المرضية فهو باطل فأعمال الكفار لا تخلو من واحد من هذين وقد تجمعهما معا فتكون أبعد من القبول حينئذ.

ولهذا قال تعالى:"وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورًا".

قال مجاهد والثوري"وقدمنا"أي عمدنا وكذا قال السدي. وبعضهم يقول أتينا عليه.

وقوله تعالى:"فجعلناه هباء منثورا"قال سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي رضي الله عنه في قوله:"هباء منثورا"قال شعاع الشمس إذا دخل الكوة.

وكذا قال الحسن البصري هو الشعاع في كوة أحدكم ولو ذهب يقبض عليه لم يستطع.

و عن ابن عباس:"هباء منثورًا"قال هو الماء المهراق.

و عن علي:"هباء منثورًا". قال الهباء وهج الدواب.

وقال قتادة في قوله:"هباء منثورًا"، قال أما رأيت يبس الشجر إذا ذرته الريح؟ فهو ذلك الورق. وعن عبيد بن يعلى قال: وإن الهباء الرماد إذا ذرته الريح.

"وحاصل هذه الأقوال التنبيه على مضمون الآية وذلك أنهم عملوا أعمالًا اعتقدوا أنها على شيء فلما عرضت على الملك الحكم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحدًا إذا إنها لا شيء بالكلية وشبهت في ذلك بالشيء التافه الحقير المتفرق الذي لا يقدر صاحبه منه على شيء بالكلية".

إن الناس في الجاهلية المعاصرة قد انتفخوا من كثرة ما أعطاهم الله استدراجًا عن طريق التقدم العلمى من سيارات وثلاجات وطائرات وصواريخ وقنابل ذرية ونووية وأموال وخيرات من كل الأنواع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت