وقال أيضا:"تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم ، فإنه من كانت الدنيا أكبر همه أفشى الله ضيعته وجعل فقره بين عينيه . ومن كانت الآخرة أكبر همه جمع الله له أموره ، وجعل غناه في قلبه ، وما أقبل عبد بقلبه على الله عز وجل إلا جعل الله قلوب المؤمنين تفد إليه بالود والرحمة ، وكان الله إليه بكل خير أسرع". رواه البيهقي .
وسمع النبي عليه الصلاة والسلام رجلا يقول: اللهم إني أسألك الصبر . فقال:
"سألت الله البلاء فسله العافية". رواه الترمذي .
ولا شك أن علاج الهموم يمكن في الرضا بما قدر الله ، والصبر على الابتلاء واحتساب ذلك عند
الله ، فإن الفرج لا بد آت . قال الشاعر:
روح فؤادك بالرضا ترجع إلى روح وطيب
لا تيأسن وإن ألح الدهر من فرج قريب
وتذكر قصة موسى عليه السلام كما يصفها الشاعر:
كن لما لا ترجو من الأمر أرجى منك يوما لما له أنت راج
إن موسى مضى ليطلب نارا من ضياء رآه والليل داج
فأتى أهله وقد كلم اللـ ـه وناجاه وهو خير مناج
وكذا الأمر كلما ضاق بالنا س أتى الله فيه ساعة بانفراج
وتذكر قول الإمام الشافعي رحمه الله في قصيدة من أجمل قصائده:
ولا تجزع لحادثة الليالي فما لحوادث الدنيا بقاء
فلا حزن يدوم ولا سرور ولا عسر عليك ولا رخاء
ويقول أبو العلاء المعري:
قضى الله فينا بالذي هو كائن فتم ، وضاعت حكمة الحكماء
وهل يأبق الإنسان من ملك ربه فيخرج من أرض له وسماء
فما من شدة إلا وبعدها فرج قريب كما يقول أبو تمام:
وما من شدة إلا سيأتي من بعد شدتها رخاء
وقال آخر:
دع المقادير تجري في أعنتها ولا تبيتن إلا خالي البال
ما بين غفوة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال
والساخطون والشاكون لا يذوقون للسرور طعما . فحياتهم كلها سواد دامس ، وليل حالك .
أما الرضا فهو نعمة روحية عظيمة لا يصل إليها إلا من قوي بالله إيمانه ، وحسن به اتصاله .
والمؤمن راض عن نفسه ، وراض عن ربه لأنه آمن بكماله وجماله ، وأيقن بعدله ورحمته .
ويعلم أن ما أصابته من مصيبة فبإذن الله . وحسبه أن يتلو قول الله تعالى:
{ وما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم } التغابن 41 .
والمؤمن يؤمن تمام اليقين أن تدبير الله له أفضل من تدبيره لنفسه ، فيناجي ربه"بيدك الخير إنك على كل شيء قدير"آل عمران 26 .
قال صفي الدين الحلي:
كن عن همومك معرضا وكل الأمور إلى القضا
أبشر بخير عاجل تنسى به ما قد مضى
فلرب أمر مسخط لك في عواقبه رضا
ولربما اتسع المضيق وربما ضاق الفضا
الله يفعل ما يشاء فلا تكن متعرضا
الله عودك الجميل فقس على ما قد مضى
وتذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"ارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس"رواه أحمد .
( 1 ) سورة آل عمران 26 .