وعن عبد الله بن عباس-رضي الله عنهما- أنه قال: ما انتفعت بكلام أحد بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كانتفاعي بكتاب كتب به إليَّ عليُّ بن طالب، فإنه كتب إليَّ: أما بعد.. فإن المرء يسؤوه فوْت ما لم يكن ليدركه، ويسرّه درك ما لم يكن ليفوته، فليكن سرورك بما نلت من أمر آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما نلت من دنياك فلا تُكثرن به فرحًا، وما فاتك منها فلا تأس عليه حزنًا، وليكن همك فيما بعد الموت"."
وقد كان -كرم الله وجهه- أقرب العشرة المشهود لهم بالجنة نسبًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد شهد بيعة الرضوان، وقد قال الله تعالى عمن شهد هذه البيعة:"لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ".
ارتقائه منكب رسول الله - صلى الله عليه وسلم
عن أبي مريم عن علي -رضي الله عنه- قال: انطلقت أنا والنبي -عليه الصلاة والسلام- حتى أتينا الكعبة، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"اجلس". وصعد على منكبي، فذهبت لأنهض به، فرأى مني ضعفًا، فنزل، وجلس لي نبي الله -صلى الله عليه وسلم-، وقال لي:"اصعد على منكبي"، فصعدت على منكبيه قال: فنهض بي فإنه ليخيل إليّ أني لو شئت لنلت أفق السماء، حتى صعدت على البيت وعليه تمثال صُفر أو نحاس، فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله، ومن بين يديه ومن خلفه، حتى استمكنت منه قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"اقذف به"، فتكسر كما تتكسر القوارير، ثم نزلت فانطلقت أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- نستبق حتى توارينا بالبيوت خشية أن يلقانا أحد من الناس (رواه أحمد) .
بطولته وشجاعته
كان من أعظم وأشجع الأبطال الذين عرفهم الإسلام، لقد كان لا يهاب الموت، ولا يهاب عدوًَّا أيًّا كان ذلك العدو، وقد كان له دستور ينتهجه في حياته، وكان دائمًا يتمثله في بيتين من الشعر:
أيَّ يوميَّ من الموت أفر يوم لا قُدِّرَ أم يوم قُدِرْ
يوم لا قُدِّرَ لا أرهبُه ومن المقدورِ لا يُغني الحَذَرْ
وقد ظهرت شجاعته وبراعته في القتال والمنازلة بصورة جلية في غزوة بدر حين خرج هو وعمه حمزة وعبيدة بن الحارث، وبارزوا عتبة بن ربيعة وأخاه شيبة وابنه الوليد.
وفي غزوة أحد أبدع في المبارزة والنزال، وأيضًا في غزوة الخندق خرج من صفوف الكفار عمرو بن ود، وصرخ: من يبارز؟ فتردَّد الصحابة، ولكن عليًّا قال للرسول - صلى الله عليه وسلم-: أنا له يا رسول الله، فدار بينهما صراع عنيف دامٍ، كان لعلي - كرم الله وجهه - النصر فيه. وفي يوم خيبر كان له النصر، وفتحها الله على يديه - رضي الله عنه -.
استشهاده
ضربه عبد الرحمن بن ملجم بالكوفة يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة بقيت من رمضان، وغسّله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وصلَّى عليه ابنه الحسن، ودُفِن في السحر وهو ابن ثمان وخمسين سنة.
وعن أبي أراكة قال: صليت مع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - صلاة الفجر، فلما سلّم انفتل عن يمينه، ثم مكث كأن عليه كآبة، حتى إذا كانت الشمس على حائط المسجد قيد رمح قال وقلب يده: لقد رأيت أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فما أرى اليوم شيئًا يشبههم، لقد كانوا يصبحون شعثًا صفرًا غُبرًا بين أعينهم أمثال وَكِيب المُعَزّى، قد باتوا سُجّدًا وقيامًا يتلون كتاب الله يراوحون بين جباههم وأقدامهم، فإذا أصبحوا فذكروا الله، مادوا كما تميد الشجرة في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم، والله لكأن القوم باتوا غافلين، ثم نهض فما رُئي يضحك حتى ضربه ابن مُلجم.
رضي الله تعالى عنه وأرضاه