فهرس الكتاب

الصفحة 3304 من 27345

وما قد يظهر منه منع التبرع ببعض الأعضاء، كحديث:"كسر عظم الميت ككسر عظم الحي"أخرجه أبو داود (3207) ، وابن ماجه (1616) ، (1617) ، وغيرهما. يجاب عنه بأن أخذ العضو من جسم الميت لا ينافي حرمته وتعظيمه؛ فهو يؤخذ من جسم الميت بعناية في عملية جراحية كما لو كان حيًّا، وحينئذ لا يعتبر هذا تمثيلًا أو تشويهًا أو إهانة، بل الإنسان بعد موته ليس لديه أهلية تملك، فإن ماله ينتقل إلى ورثته، وقد جعل الله لأولياء المقتول: القصاص أو العفو أو أخذ الدية أو بعضها في قوله تعالى:"وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" [البقرة:179] . وقوله"فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ" [البقرة:178] . فبمجرد حصول القتل ينتقل حق القتيل من قاتله في الدنيا إلى أولياء المقتول؛ يتصرفون في حق ميتهم بما يرونه مصلحة لهم وله على السواء، والمصلحة الدينية والدنيوية إذا كانت متعدية ونفعها عامًّا هي أعظم عند الله وعند خلقه.

وعلى هذا فإن التبرع بالعضو جائز سواء كان في الحياة أو بعد الموت بوصية منه، أو تصرف من أوليائه بعد وفاته.

وإذا كان الأمر كذلك فإن إعادة العضو المقطوع في حد شرعي كاليد المقطوعة في السرقة، تجوز ما دامت ممكنة بعملية جراحية، سواء كانت يد صاحبها أو غيره؛ لأن قصد الشارع من إقامة الحد على السارق أن ينكل به فلا يعود بعد أن أحس بألم القطع، وظهرت لعامة الناس بسببه العظة والعبرة:"وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" [المائدة:38] . والشارع الحكيم لا يتشوف أبدًا إلى التشنيع أو التشهير قبل الحدث أو بعده، وإنما أجاز مشاهدة إقامة الحد فقط"وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ" [النور:2] .

والحدود الشرعية مطهرات لأصحابها، ففي الحديث الصحيح أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لما سمع قائلًا يقول لشارب خمر أقيم عليه الحد: أخزاك الله. قال:"لا تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشيطان"صحيح البخاري (6777) .

ولما سب أحد الصحابة الغامدية -رضي الله عنها- لما أقيم عليها حد الرجم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له". صحيح مسلم (1695) .

ومن رحمة الله أن جعل الحدود كفارة لأصحابها، ففي حديث عبادة بن الصامت -رضي الله عنه- عند البخاري (3892) :"ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله فأمره إلى الله؛ إن شاء عاقبه، وإن شاء عفا عنه".

ولا يسعى أو يستشرف الإسلام إلى التشهير وهو يجد للستر على المذنب منفذًا، ففي الحديث الصحيح:"من أصاب من هذه القاذورات -الذنوب- شيئًا، فليستتر بستر الله، فإنه من يبدي لنا صفحته نقم عليه كتاب الله". الموطأ (1299) ، صحيح الجامع (149) .

وإذا كان الشارع الحكيم لا يحب التشهير ولا الإشاعة التي تنتج ضررًا فإنما يكتفي بالحد المقرر للذنب، ولا يجوز تجاوزه -إذا كان الأمر كذلك -فإن إعادة اليد المقطوعة في السرقة جائز شرعًا؛ لحصول الحد المقرر والحكمة منه"نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" [المائدة:38] .

هذا ما ظهر لي في هذه المسألة المذكورة في السؤال، وهي من النوازل والمستجدات في هذا العصر. فإن وفقت فمن الله وإلا فمن نفسي والشيطان. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت