ولقد خاطب الله المؤمنين من هذه الأمة واعدًا إياهم بما وعد به المؤمنين قبلهم، فقال سبحانه في سورة النور: ? وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ ? أي بدلًا عن الكفار ? كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ? من بني إسرائيل. فإذا حقق المسلمون الإيمان وتحاكموا إلى شريعة الرحمن، فستأتيهم ثمرة ذلك وأثره ? وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ ? فهي مقدمات ونتائج، أعمال وآثار، فتحقيق التحاكم إلى الدين يتحقق به الاستخلاف، وتحقيق الحكم به يوصل إلى التمكين، فإذا لم يكن هذا ولا ذاك، فهنا يكون الظلم الذي يهلك الله به المجرمين، قال تعالى: ? وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ، ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ? [يونس 13-14] أي جعلناكم خلائف في الأرض بعد أولئك الأقوام كلهم، بما آتيناكم في هذا الدين من أسباب الملك والحكم وقدرناه لكم باتباعه ? لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ? أي لنرى أي عمل تعملون في خلافتكم فنجازيكم بمقتضى سنتنا فيمن قبلكم، فإن هذه الخلافة إنما جعلها الله لكم لإقامة الحق والعدل في الأرض، وتطهيرها من رجس الشرك والفسق، لا لمجرد التمتع بلذة الملك. فلا ينبغي لأمة استخلفها الله على الأرض، إلا أن تقيم دين الله على هذه الأرض
النصر والفتح
بعد أن تُمكَّن الأمة وتستقر _ كما ذكرنا في العدد السابق _ لابد وأن الأعداء سوف يتكالبون عليها يتربصون بها الدوائر، ولابد لهذه الأمة أن تقوم بحق الله عليها في الدعوة والجهاد، فالله تعالى: قد ضمن للأمة الإس المستقيمة على شرعه أن ينصرها على أعدائها بعزته وقوته، قال تعالى: ? وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ? [الحج 40-41] أي لينصرن الله سبحانه من ينصر دينه، ومن ينصر أولياءه، وينتصر لشرعه في الأولين والآخرين كما نصر المهاجرين والأنصار على صناديد العرب، وأكاسرة العجم، وقياصرة الروم، وأورثهم أرضهم وديارهم. وبيّنت الآيات علامة من ينصر دين الله بما يبين أن ادعاء نصر الدين يكون كذبًا إذا لم يكن بهذا الوصف: ? الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ? أي ملكناهم إياها، وجعلناهم المتسلطين عليها ? أَقَامُوا الصَّلَاةَ ? بين الناس في الجمعة والجماعات ? وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ ? بتحصيلها من الرعية وإيتائها ? وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ? الذي هو كل ما أمر به الشرع من حقوق لله وحقوق الآدميين ? وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ ? الذي هو كل ما نهى عنه الشرع. وعندما تنصر الأمة دين الله بهذا المعنى فإن وعد الله لها لا يمكن أن يتخلف؛ ولهذا فإن حال الأمة من النصر والعزة أو عدمهما يعتبر مقياسًا دقيقًا، وميزانًا للحكم على مقدار امتثال تلك الأمة _ رعاةً ورعية، حكامًا ومحكومين _ لشريعة الله ظاهرًا وباطنًا، وإلا فإن اتهام واقع المسلمين أولى من سوء الظن بتحقيق وعد الله الذي لا يخلف الميعاد، هذا الوعد الذي صرح به القرآن تصريحًا بينًا لا يحتمل تأويلًا ولا تحويلًا كما قال تعالى: ? يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ? [محمد 7] وقال: ? وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ? [الروم 47] أي هو حق جعله الله على نفسه الكريمة تكرمًا وتفضلًا كقوله ? كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ? [الأنعام 12] .