فهرس الكتاب

الصفحة 3443 من 27345

ولما رأى أبا إسرائيل يقف في الشمس ولا يتكلم سأل عنه فقالوا: يا رسول الله نذر أن يقوم ولا يتكلم ويجلس في الشمس، فقال صلى الله عليه وسلم:"ليتم صومه وليتكلم وليجلس في الظل" [ رواه البخاري] فالجلوس في الشمس تكلف لا يقرب من الله، والصوم عن الكلام شرع من قبلنا وليس من شرعنا , فمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت. ومن أدلة ذلك أيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما علم أن عبد الله بن عمرو يصوم النهار ويقوم الليل- مما جعله يفرط في حق امرأته- قال له:"صم صيام أخي داود، كان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى" [رواه مسلم] وفى الحديث:"إن لربك عليك حقًا ولزوجك عليك حقًا فأعط كل ذي حقٍ حقه" [رواه البخاري] , فلابد من عدل واعتدال وحرص على الموازنة بين المصالح بلا إفراط ولا تفريط، ومراعاة لمتطلبات الروح والبدن بلا غلو ولا جفو، وشمولية نظرة في توفية الحقوق لأصحابها .

ومن ذلك أيضا لما ذهب ثلاثة إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا بها وكأنهم تقالوها , فقال أحدهم: وأين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر , أما أنا فأقوم ولا أنام وقال الآخر: أما أنا فأصوم ولا أفطر وقال الثالث أما أنا فلا أتزوج النساء , فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبر خبرهم صعد المنبر وجمع الناس ثم قال:"ما بال أقوام يقولون كذا؟ أما إن أعلمكم بالله وأتقاكم لله أنا، أما إني لأصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني" [رواه البخاري ومسلم]

فالطريق الموصل إلى الله وإلى جنات النعيم هو طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يجوز تخطيه ولا تعديه , بل لا بد من اتباع لا ابتداع فيه ولا اختراع معه , إذ أكمل وأشرف الأحوال هو حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنته صلى الله عليه وسلم هي طريقته المحمودة التي سلكها هو والصحابة من بعده ـ وهى كل ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير أو صفة يقصد بها التشريع للأمة, وكل من أعرض عن طريقته صلى الله عليه وسلم يقال له:"فمن رغب عن سنتي فليس منى". وكان صلى الله عليه وسلم دائمًا يقول"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" [ رواه البخاري ومسلم] وصح عنه أنه قال:"كل بدعة ضلالة , وكل ضلالة في النار".

والبدعة كما عرفها الشاطبي رحمه الله: طريقة في الدين مخترعة تضاهى الشرعية يقصد بالسلوك عليها مضاهاة التعبد لله تعالى .ا.ه والبدعة أحب إلى إبليس من المعصية وصاحبها ممن زين له سوء عمله فرآه حسنا ً ، وكان عمر رضى الله عنه يقول: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة. وقال ابن مسعود رضى الله عنه: اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم ، عليكم بالأمر العتيق.

وعلى هذا النهج الواضح سار صحابة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يسمحوا لأحد بخدش جناب التوحيد أو التشريع، ومن أمثلة ذلك أن عمر رضى الله عنه كان يقبل الحجر الأسود ويقول: والله إني لأعلم أنك حجر ما تضر ولا تنفع ولولا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك. وأخرج علىٌ رضي الله عنه القُصَّاص من المساجد وهم الذين يروون القصص الخيالية والأكاذيب بزعم تذكير الناس وترقيق قلوبهم. ولما سمع ابن عمر رضى الله عنه رجلا عطس فقال: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله قال له ابن عمر: ما هكذا علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم , قال إذا عطس أحدكم فليحمد الله ولم يقل وليصل على رسوله , ولما دخل ابن مسعود ـ رضى الله عنه ـ مسجد الكوفة فرأى حلقًا وفى وسط كل حلقة كومًا من الحصى ورجل قائم على كل حلقة يقول لهم: سبحوا مائة فيسبحون مائة , احمدوا مائة فيحمدون مائة , كبروا مائة فيكبرون مائة فقال لهم ابن مسعود رضى الله عنه: يا قوم والله لأنتم على ملة هي أهدى من ملة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مقتحموا باب ضلالة فقالوا والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا بهذا إلا الخير فقال وكم من مريد للخير لم يبلغه رواه الدارمي وصححه الألباني فكل زيادة أو نقص في العبادات أو السلوك يراد به التقرب إلى الله تعالى وإصلاح النفس إنما هو بدعة مرفوضة, حتى لو حسنت وصلحت النوايا طالما لم يوافق العمل شرع الله .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت