فهرس الكتاب

الصفحة 351 من 27345

مَرَّ رَجُلٌ على رجل فسلَّم عليه , فقال له الرَّجل الذي سَلَّم عليه: يا أخي لو كَشَفْتُ لك عن حالي ما سَلَّمْت علي ! فقال له الرجل الذي سَلَّم عليه: يا أخي لو كشفت لي عُيوبك ؛ لكان في عُيوبي ما يشغلني عن جميع عُيوبك .

فهذه الخلال يندر وجودها لتغير الزَّمان , وندرة الإخوان , وضعف الدِّين - فإلى الله المشتكى .

وهذا لا يعني التشاؤم من جميع النَّاس ؛ فهذا ينافي الإيمان , فإن الحب جوهرة نفيسة , والطَّريق إليها سهلٌ ميسرة , ولكن الكل في هذا الزَّمان إلا من مَنَّ عليه الرحمن ؛ قد وضع على عينيه عصابةً سوداء ؛ فلا يرى إلا ما تحسه اليدان , بينما لو رفع العصابة لرأى الجوهرة أمامه ؛ لأنها الفطرة الكامنة في نفس كل إنسان , ولكن لتغير الزمان وقلة الخلان وضعف الدِّين , قد تطفو بعض الخصال على ما كان عليه الأُول , فيغتر بها ضعيف الإيمان , فيجاري أهل زمانه سلامة من أذى كل لسان .

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهَا سَتَأْتِي عَلَى النَّاس سِنُونَ خَدَّاعَةٌ: يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ , وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ , وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ , وَيُخَوَّنُ فِيهَا الْأَمِينُ , وَيَنْطِقُ فِيهَا الرُّوَيْبِضَةُ , قِيلَ: وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ ؟ قَالَ: السَّفِيهُ يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ .

قَالَ سهل بن عبد الله: تظهر في النَّاس أشياء: يُنْزَع منهم الخشوع بتركهم الورع , ويذهب منهم العلم بإظهار الكلام , ويضيعون الفرائض باجتهادهم في النَّوافل , ويصير نقض العهود وتضييع الأمانة وارتفاعها من بينهم عَلَمًا , ويرفع من بين المنسوبين إلى الصلاح في آخر الزمان عِلْمُ الخشية وعِلْمُ الورع وعِلْمُ المراقبة ؛ فيكون بدل عِلْمِ الخشية وساوس الدنيا , وبدل عِلْمِ الورع وساوس العدو , وبدل عِلْمِ المراقبة حديث النفس ووساوسها , قيل: ولم ذلك يا أبا محمد ؟! قَالَ: تظهر في القرّاء دعوى التوكل والحب والمقامات , ترى أحدهم يصوم ويصلي عشرين سنة , وهو يأكل الربا ولا يحفظ لسانه من الغِيبة , ولا عينه وجوارحه مما نهى الله عنه .

ولذلك كان الفضل العظيم , والثَّواب الجزيل لمن حفظ لسانه , فإن سأل سائل ما سبب هذا الفضل الكبير في الصَّمت ؟

فالجواب: أن سببه كثرة آفات اللِّسان من الخطأ , والكذب , والغيبة والنميمة , والرياء , والنفاق , والفحش , والمراء , وتزكية النفس , والخوض في الباطل , والخصومة , والفضول , والتحريف والزيادة والنقصان , وإيذاء الخلق , وهتك العورات .

قَالَ أحمد بن الحواري: قَالَ أبو سليمان الداراني: لا تعاتب أحدا من الخلق في زماننا , فإنك إن عاتبته أعقبك بأشد مما عاتبته , دعه بالأمر الأول فهو خير له - أي السكوت . قَالَ أحمد: فجربت فوجدته على ما قَالَ.

فهذه الآفات لا تثقل على اللِّسان , وربما لها حلاوة في القلب وهوى في الطَّبع , والخائض فيها قل أن ينضبط , فالصَّمت أولى وحبس اللِّسان أسلم , فإن عقل وتكلم ؛ فيوجه اللِّسان إلى العبادة التي خُلق لها .

[من كتاب"العبادة واجتهاد السلف فيها"للشيخ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت