فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 27345

عباد الله يقول المولى عز وجل في كتابه الكريم:"فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى"إنه اتباع الهوى الذي حذرنا منه المولى عز وجل وحذرنا منه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وبين خطره علماء الأمة إنه الهوى الذي يغير الأمور فيجعل المعروف منكرًا والمنكر معروفًا ويصبح المسلم بل المتبع لهواه لا يميز بين خير أو شر ولا بين حسن أو قبيح إلا ما أشرب من هواه يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم:"تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير القلوب على قلبين أبيض مثل الصفا لا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض والآخر أسود مربادًا كالكوز مجخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه" ( 1 ) فأصبح هواه هو الذي يسيره فأصبح هواه هو الذي يقوده فأصبح هوى النفس هو الذي يقود الإنسان الذي اتبع هواه . فاتباع الهوى يا عباد الله أن تكون النفس هي القائدة للإنسان تحسن له القبيح وتقبح له الحسن وتقوده إلى المهالك فيطيعها في كل صغيرة وكبيرة دون أن يبحث عن دين أو عن شرع أو عن خلق أو عن قيم أو عن مبادئ وإنما يتبع هواه"افرأيت من اتخذ إلهه هواه"لقد أصبح الهوى عند ذاك الإنسان الذي قادته نفسه الأمارة بالسوء وقاده الهوى والشيطان أصبح الهوى إلهًا يعبده يحلل له ويحرم له فيتبعه عند كل صغيرة وكبيرة ، إن الهوى يا عباد الله من أخطر الأمور التي يصاب بها الإنسان ولنعلم أيها المؤمنون أن الفرق بين الإنسان وبين الحيوان هو هذا العقل الذي ميز الله به الإنسان فجعله يميز بين الحسن والقبيح وبين الضار والنافع وبين ما ينفعه في دينه ودنياه وبين ما يضره بيد أن الحيوان لا يعلم شيئًا من ذلك لأنه لا عقل له لكن النتيجة مختلفة فالحيوان يكون ترابًا يوم القيامة لأنه غير مكلف بينما الإنسان إما أن يكون إلى جنة وإما إلى نار بحسب حاله الذي كان عليه في الحياة الدنيا وينبغي أن نعلم أن الفرق بين منهج الله سبحانه وتعالى وبين مناهج البشر أن مناهج البشر تتبع الهوى وتسير وفق الأهواء ووفق الرغبات والشهوات بينما منهج الله سبحانه وتعالى لا خطأ فيه ولا ميل لأنه منزل من قبل رب الأرض والسماوات"وان احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم"إن من يتحاكم إلى غير شرع الله قد اتبع الهوى ، والهوى يختلف بحسب اختلاف الرغبات والشهوات ومحال أن يتفق الناس أصحاب الأهواء على منهج واحد لأن الأهواء تختلف ولأن الرغبات تختلف بينما حكم الله واحد لا يتغير ، لما سرقت المخزومية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع يدها حز هذا الأمر في نفوس أصحاب الهوى من كفار قريش الذين يتحاكمون إلى العادات وإلى المبادئ الأرضية فأرسلوا أسامة بن زيد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليشفع لتلك المرأة فلا تقطع يدها فغضب النبي صلى الله عليه وسلم غضبا شديدا وقال يا أسامه أتشفع في حد من حدود الله إنما اهلك من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (2 ) إنه منهج الله الذي لا يعرف المحاباة ولا يعرف المداهنة ولا يعرف الفرق بين الكبير والصغير ولا بين الرئيس والمرؤوس ولا بين الغني والفقير فالناس أمام شرع الله سواسية كأسنان المشط هكذا هو منهج الله منهج ثابت دائم لا يتغير ولا يتبدل ولا يزول ولا يحول هكذا هو المنهج الشرعي الذي أنعم الله به على هذه الأمة وينبغي أن نعلم يا عباد الله أن العبد في هذه الحياة بين إجابتين لا ثالث لهما إما أن يستجيب لشرع الله وإما أن يستجيب لهواه لا ثالث للأمرين إن لم يستجب لشرع الله فهو مستجيب لهواه لا محالة يقول الله سبحانه وتعالى:"فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم"إذا لم يستجيبوا لك يا محمد فإنما يتبعون أهواءهم ورغباتهم هذا هو المنهج الواضح أن الإنسان إذا لم يستجب لشرع الله سبحانه وتعالى فإنه متبع لهواه رضي بذلك أم لم يرض . لماذا يا عباد الله جاءت الشريعة واضحة في هذا الأمر وجاءت النصوص الشرعية متواترة في التحذير من الهوى وفي بيان عاقبته وفي بيان أنه من أعظم الأمور التي ينهى عنها . إن الهوى يا عباد الله من أعظم الآفات ومن أعظم المصائب ومن أعظم السيئات التي يبتلى بها العباد في هذه الحياة الدنيا لأن من يتبع هواه قد جعل هواه إلهًا يعبد من دون الله"أفرأيت من اتخذ إلهه هواه"لأنه جعل هواه مشرعًا يشرع له ما يريد ويقبح له ما يريد لما دخل عدي بن حاتم رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم وسمعه يتلو قول الله تعالى:"اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله"قال يا رسول الله لم نعبدهم قال"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت