فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 27345

ومن صور اتباع الهوي يا عباد الله الجور في الحكم أن يحكم الإنسان بغير شرع الله تعالى يقول الله تعالى:"فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا"فمن يحكم بغير شرع الله فقد اتبع الهوى واتبع النفس الأمارة بالسوء واتبع المصلحة والعياذ بالله تعالى من يجور في الحكم وهو يعلم أنه مخالف لحكم الله فهو متبع لهواه رضي بذلك أم لم يرض . تحاكم علي بن أبي طالب رضي الله عنه هو ورجل من اليهود سرق درعه تحاكما إلى شريح القاضي فقال القاضي شريح لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه اجلس هاهنا يا أبا الحسن وقال لليهودي اجلس هاهنا يا فلان فغضب علي رضي الله عنه غضبًا شديدًا وقال يا شريح لقد أخطأت في الحكم قال ولم ؟ قال فضلتني على خصمي كنيتني وقلت يا أبا الحسن وفضلتني عليه وناديته باسمه ثم طلب من كل منهما أن يبين حجته وبينته فعلي رضي الله عنه لم يكن عنده بينه اليهودي لم يكن عنده بينه قال يا علي هل عندك شهود قال نعم يشهد معي ابني الحسن أن هذا درعي اشتريته بمالي ـ الحسن بن علي المشهود له بالجنة ـ قال لا أرضى شهادة الابن لأبيه لا أقر شهادة الابن لأبيه هل معك شهادة أخرى قال لا فحكم القاضي بالدرع لذلك اليهودي عند هذا قال ذلك اليهودي أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله أمير المؤمنين يحاكمني إلى قاضيه فيحكم قاضيه عليه والله ما هذا بدين بشر أبدًا . أقول ما تسمعون وأستغفر المولى العظيم الجليل لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .

الخطبة الثانية:

الحمد لله على إحسانه ، والشكر له على توفيقه وامتنانه ، وأشهد ألا لا إله إلا الله وحده لا شريك تعظيمًا لشأنه ، وأشهد أن محمدًا عبد الله ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا ، ورضي عن أصحابه وأتباعه وإخوانه إلى يوم الدين ، أما بعد أيها المؤمنون: لقد ظهر لنا خطر اتباع الهوى وأن الهوى إله يعبد من دون الله تعالى وأن من وقع في عبادة الهوى فهو على شفا جرف هار عليه أن يراجع نفسه وأن يعود إلى ربه عز وجل وأن لا يكون ممن أضلهم الشيطان من حيث لا يشعر إن ثمة أمور ذكرها العلماء رحمهم الله تعالى تحول بين الإنسان وبين اتباع الهوى فمن ذلك:

أن يتأمل الإنسان في العاقبة في عاقبة هذه الحياة وفي نهايتها ويتأمل في الآخرة وما أعد الله فيها للمحسنين وما أعد فيها للعصاة والعياذ بالله وأن هذه الدنيا لا تسوى شيئًا أمام الآخرة التي فيها كل شيء وأمام الجنة التي فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر مهما ملك الإنسان من أموال ومهما ملك من متاع فإنه شيء يسير في جنب ما أعده الله تعالى للمؤمنين ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"يؤتى بأنعم أهل الدنيا ـ ممن تبع هواه ـ من أهل النار فيغمس فيها غمسة واحدة فيقال له بعد ذلك يا ابن آدم هل مر بك نعيم قط هل رأيت نعيمًا قط فيقول لا يارب هذا أنعم أهل الدنيا لما غمس في النار غمسة واحدة نسي ذلك النعيم ويؤتى بأبئس أهل الدنيا من أهل الجنة ممن لم يعرف نعيمًا قط ولكنه من الصالحين فيغمس في الجنة غمسة واحدة فيقال له بعد ذلك يا ابن آدم هل مر بك بؤس قط هل رأيت شقاءً قط فيقول لا يارب" ( 10 ) لقد أنسته تلك الغمسة كل شيء الجنة والنار ينبغي أن يتفكر فيها المسلم فينسيه ذلك عن اتباع الهوى .

من ذلك أن يتأمل في فضيلة الصبر وأن الجنة حفت بالمكاره وأن النار حفت بالشهوات وأن الصبر هو عاقبة المتعففين فماذا كان يوسف عليه السلام ماذا كان سيكون لو أنه اتبع هواه لكن لما خالف هواه واتبع منهج الله تعالى كان إمامًا للمتعففين كان إمامًا للصابرين كان إمامًا للمتبعين لمنهج الله تعالى"قال رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه"هكذا ينبغي أن يفكر الإنسان في الآخرة .

من ذلك يا عباد الله أن يتأمل المسلم أن الهوى لا يدخل في شيء إلا أفسده فلا يدخل في عبادة إلا أفسدها وأبطلها وأخرج الإخلاص منها وأدخل الرياء فيها ولا يدخل في مال إلا أدخل فيه الحرام ولا يدخل في علم إلا أدخل فيه الجهل ولا يدخل في شيء إلا أفسده كما قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى فصاحب الهوى لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه .

وأخيرًا ينبغي أن نفهم يا عباد الله أنه لا يستقيم إيمان العبد حتى يكون هواه تبعًا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الحديث:"لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعًا لما جئت به" ( 11 ) فهوى المؤمن متبع لهوي النبي صلى الله عليه وسلم ولما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم لا يسقيم إيمان العبد حتى يكون هواه تبعًا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم يكفينا ذلك .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت