11ـ الشجاعة: فهي تحمل على عزة النفس، وإباء الضيم، وإيثار معالي الأخلاق والشيم، وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس، وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته. وهي تحمل صاحبها على كظم الغيظ، والحلم؛ فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنانها، ويكبحها بلجامها عن النزق والطيش.
12ـ العدل: فهو يحمل على اعتدال الأخلاق، وتوسطها بين طرفي الإفراط والتفريط .
13ـ تكلف البشر والطلاقة، وتجنب العبوس والتقطيب: قال ابن حبان رحمه الله: ' البشاشة إدام العلماء، وسجية الحكماء؛ لأن البشر يطفئ نار المعاندة، ويحرق هيجان المباغضة، وفيه تحصين من الباغي، ومنجاة من الساعي'. 'وقيل للعتابي: إنك تلقى الناس كلهم بالبشر! قال: دفع ضغينة بأيسر مؤونة، واكتساب إخوان بأيسر مبذول'.
وما اكتسب المحامد حامدوها بمثل البشر والوجه الطليق
بل إن تبسم الرجل في وجه أخيه المسلم صدقة يثاب عليها، قال النبي صلى الله عليه وسلم: [تَبَسُّمُكَ فِي وَجْهِ أَخِيكَ لَكَ صَدَقَةٌ...] رواه الترمذي.
والابتسام للحياة يضيئها، ويعين على احتمال مشاقها، والمبتسمون للحياة أسعد الناس حالًا لأنفسهم ومن حولهم، بل هم أقدر على العمل، وأكثر احتمالًا للمسؤولية، وأجدر بالإتيان بعظائم الأمور التي تنفعهم، وتنفع الناس؛ فذو النفس الباسمة المشرقة يرى الصعاب فيلذه التغلب عليها، ينظرها فيبتسم، وينجح فيبتسم، ويخفق فيبتسم. وإذا كان الأمر كذلك فأحرى بالعاقل ألا يرى إلا متهللًا.
ومن أعظم ما يعين على اكتساب تلك الخلة: الإقبال على الله، وطهارة القلب، وسلامة المقاصد، والبعد عن موطن الإثارة قد المستطاع. ومن ذلك قوة الاحتمال،ومحاربة اليأس، وطرد الهم والكآبة.
14ـ التغاضي والتغافل: وهو من أخلاق الأكابر، ومما يعين على استبقاء المودة واستجلابها، وعلى وأد العداوة وإخلاد المباغضة، ثم إنه دليل على سمو النفس، وشفافيتها، وهو مما يرفع المنزلة، ويعلي المكانة، قال ابن الأثير متحدثًا عن صلاح الدين الأيوبي:'وكان صبورًا على ما يكره، كثير التغافل عن ذنوب أصحابه، يسمع من أحدهم ما يكره، ولا يعلمه بذلك، ولا يتغير عليه. وبلغني أنه كان جالسًا وعنده جماعة، فرمى بعض المماليك بعضًا بسرموز- يعني:بنعل- فأخطأته، ووصلت إلى صلاح الدين فأخطأته، ووقعت بالقرب منه، فالتفت إلى الجهة الأخرى يكلم جليسه؛ ليتغافل عنها'.
وكان الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله كثير التغاضي عن كثير من الأمور في حق نفسه، وحينما يسأل عن ذلك كان يقول:
ليس الغبي بسيد في قومه لكن سيد قومه المتغابي
15ـ الإعراض عن الجاهلين: فمن أعرض عن الجاهلين حمى عرضه، وأراح نفسه، وسلم من سماع ما يؤذيه، قال عز وجل: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [199] } [سورة الأعراف] .
فبالإعراض عن الجاهلين يحفظ الرجل على نفسه عزتها، والعرب تقول:'إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر'. وروي أن رجلًا نال من عمر بن عبدالعزيز، فلم يجبه، فقيل له: ما يمنعك منه؟
قال: التقى ملجم.
16ـ العفو والصفح ومقابلة الإساءة بالإحسان: فهذا سبب لعلو المنزلة، ورفعة الدرجة، وفيه من الطمأنينة، وشرف النفس، وعزها، ما ليس شيء منه في المقابلة والانتقام، قال النبي عليه الصلاة والسلام: [وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ] رواه مسلم. وقال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:'أحب الأمور إلى الله ثلاثة: العفو عند المقدرة، والقصد في الجِدَةِ، والرفق بالعَبَدَةِ'. وقال الشافعي رحمه الله:
أرحت نفسي من ظلم العدوات لما عفوت ولم أحقد على أحد
فإذا كان الأمر كذلك فإنه يجدر بالعاقل ـ كما قال ابن حبان ـ:'توطين نفسه على لزوم العفو عن الناس كافة، وترك الخروج لمجازاة الإساءة؛ إذ لا سبب لتسكين الإساءة أحسن من الإحسان، ولا سبب لنماء الإساءة وتهييجها أشد من الاستعمال بمثلها'.
وقد يظن ظان أن العفو عن المسيء، والإحسان إليه مع القدرة عليه؛ موجب للذلة والمهانة، وأنه قد يجر إلى تطاول السفهاء. وهذا خطأ؛ فالعفو إسقاط حقك جودًا، وكرمًا، وإحسانًا مع قدرتك على الانتقام، فتؤثر الترك؛ رغبة في الإحسان ومكارم الأخلاق.. بخلاف الذل؛ فإن صاحبه بترك الانتقام عاجزًا، وخوفًا، ومهانة نفس، فهذا غير محمود، بل لعل المنتقم بالحق أحسنُ حالًا منه.
17ـ الرضا بالقليل من الناس، وترك مطالبتهم بالمثل: وذلك بأن يأخذ منهم ما سهل عليهم، وطوعت له به أنفسهم سماحة واختيارًا، وألا يحملهم على العنت والمشقة، قال تعالى: { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [199] } [سورة الأعراف] .