الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب و لم يجعل له عِوَجًا ، فصَّلَ و بيَّنَ و قرَّر صراطًا مستقيمًا و منهجًا ، و نَََصَبَ و وضَّح من براهين معرفته و توحيده سلطانًا مبينًا و حُجَجًا .
أحمده سبحانه حمدَ عبدٍ جَعلَ له من كلِّ همٍّ فَرَجًا ، و من كلِّّّ ضيقٍ مَخرَجًا .
و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، شهادةً ترفَعُ الصادقين إلى منازل المقرّبين دَرَجًا .
و أشهد أنَّ محمّدًا عبدُه و رسوله الذي وَضَعَ الله برسالته آصارًا و أغلالًا و حَرَجًا.
و بعد فيا أمّةَ الإسلام !
إذا تبيّن عِظَم الداء فلا بدّ من التماس الدواء ، و دواء من ابتليَ بشيءٍ من آفات اللسان أن يبادر إلى الإقلاع و التوبة إلى الله تعالى قبل أن لا يكون درهم و لا دينار .
روى مسلم و الترمذي و أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( أَتَدْرُونَ مَا الْمُفْلِسُ ؟ ) قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لا دِرْهَمَ لَهُ و لا مَتَاعَ ، فَقَالَ: ( إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلاةٍ وَ صِيَامٍ وَ زَكَاةٍ وَ يَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا ، وَ قَذَفَ هَذَا ، وَ أَكَلَ مَالَ هَذَا ، وَ سَفَكَ دَمَ هَذَا ، وَ ضَرَبَ هَذَا ؛ فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، وَ هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْه ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ ) .
فليبادر من ابتلي بآفات اللسان ، و بخاصةٍ الغيبة إلى التوبة ، و ليعلَم أنّ للتوبة من ذنبٍ كهذا لا بدّ من توفّر شروط التوبة العامّة الثلاثة ، و هي:
1.الإقلاع عن الذنب .
2.الندم على ما فات من فعله .
3.العزم على عدم العودة إليه مستقبلًا .
و يضاف إلى هذه الشروط أن يتحلّل ممّن أساء إليه .
و على التائب منها أن يراعي المصلحة و المفسدة قبل أن يعتذر ممّن أساء إليهم ، فإن لم تكن الغيبة قد بَلَغت المغتاب فالأولى عدم طلب السماح منه ، و الاكتفاء بالرجوع عن الغيبة أمام من سمعها ، و تبرئة ساحة من طالته بالرجوع عنها ، و التعريف محاسنه و الثناء عليه بما فيه .
أمّا إذا كانت الغيبة قد بلغت المقصود بها ، فإن غَلَب على ظنّ الواقع في الغيبة أنّ من سيعتذر منهم يقبلون اعتذاره بادرهم به ، و إن رأى أنّ إصلاح ذات البين يمكن تحقيقها بالتلطّف و تقديم الهدايا إليهم فعَل ، و دَرَءَ سيئاته بحسنات مثلها أو أكبر منها .
و إن غلَب على ظنّه أن اعتذاره لن يُجديَ معهم نفعًا ، أو أنّه قد يؤدي إلى زيادة الفرقة و الضغينة في النفوس ، فليلجأ إلى الإحسان إليهم بالدعاء ، و ذكر محاسنهم ، و الكفّ عمّا يسوؤهم أو يسيء إليهم ، لعلّ الله يلهم الصفح ، و يقيل عثرةَ صاحبهم فيغفر له ، و هو أهل التقوى و أهل المغفرة .
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تفسير سورة الحجرات:( قال الجمهور من العلماء: طريق المغتاب للناس في توبته أن يُقلع عن ذلك ، و يعزم على أن لا يعود ، و هل يشترط الندم على ما فات ؟ فيه نزاع ، و أن يتحلل من الذي اغتابه .
و قال آخرون: لا يُشترط أن يتحلله فإنه إذا أعلمه بذلك ربّما تأذى أشد مما إذا لم يعلم بما كان منه ، فطريقه إذًا أن يُثني عليه بما فيه في المجالس التي كان يذمه فيها ، و أن يرد عنه الغيبة بحسبه و طاقته لتكون تلك بتلك ).
فلنبادر يا عباد الله إلى التوبّة ، إذ كلُّنا خطّاء ، و خير الخطّائين التوّابون .
ألا و صلّوا و سلّّموا على نبيكم الأمين ، فقد أُمرتم بذلك في الذكر الحكيم ، فقال ربّ العالمين: ( إنّ الله و ملائكته يصلُّون على النبي يا أيّها الذين آمنوا صلّوا عليه و سلّموا تسليمًا ) اللهم صلِّ و سلّم و بارك على عبدك و نبيّك محمّدٍ ، و على آله و صحبه أجمعين .
د . أحمد عبد الكريم نجيب