ولم أملك نفسي من الضحك, وأنا أري السادات في جلبابه البلدي, وعباءته الفاخرة, يوجه هذه العبارة لهمت مصطفي -غفر الله لها- في واحد من اللقاءات السنوية التي كانت تعقد كل عام بمناسبة ذكري ميلاد السادات في بيته بقريته"ميت أبي الكوم", وكنت أسأل نفسي: من الذي أعطي هذا الرجل الحق في أن يخلع علي نفسه هذا الوصف? إنه"التوهم"الذي تحول إلي"وهم"ضرب في أعماقه, فجعله يحلق في عالم من"الضباب الأزرق الحالم"ويزين له أن ينسي واقعه وحقيقة ذاته, فيسرف في القول, فيقول لهمت مصطفي -في واحد من هذه اللقاءات"أنا لما عملت ثورة 52 أنا والمرحوم جمال عبد الناصر...", ومرة أخري يقول"أنا لما عملت الإخوان المسلمين أنا والمرحوم البنا.. شوفوا بقي التلمساني ده كان فين?!"وأكد هذا في خطاب عام فقال مهددًا.. متوعدًا"..وقد أضطر -إذا ما تأدبوش- أني أعمل لهم ثورة 52 من تاني!!"وعلق مواطن ظريف علي عبارة السادات بقوله"الله!! هو السادات فتح مصنع ثورات واللا إيه?!!".
وبعد مصرع السادات ظل كبار رجال الحزب الوطني وقادته يعيشون نهٍب"حالة نفسية"مشكلة من حلقات ثلاث متتابعة هي"التوهم والوهم والإيهام": فهم توهموا أنهم قادة لحزب يمثل أغلبية الشعب اسمه"الحزب الوطني", وفي جو من"الضباب الأزرق الحالم"تحول التوهم إلي"وهم"تركز في أعماقهم كأنه حقيقة لا تقبل الجدل, ثم تولد من الوهم"إيهام", وهو عملية غيرية ناشطة - أي محاولة إقناع الآخرين بأن"المدعو الحزب الوطني"هو حزب الأغلبية, وأن قادته هم زعماء الأغلبية.
ونسأل: إذا كان هذا صحيحًا فأين مكانهم في النقابات المهنية كالأطباء والمحامين والصيادلة, والمهندسين, وأندية أعضاء هيئات التدريس الجامعية? وللإخوان فيها الوجود الأظهر والأقوي والأوفي. بل أين مكانهم في الشارع المصري?
فإن كذبوني فالجنائز بيننا
سَلُوها فصوتُ الموت ما كان يكذبُ
فلا عجب إذن - إصرارًا من هؤلاء علي لقب الأغلبية- أن يلجئوا إلي تزوير الانتخابات تزويرًا لا مثيل له في أي مكان في العالم, ولا في التاريخ الإنساني كله!!
ومن سنوات رأينا الكاتب"الفحل"إبراهيم سعده يصر علي أن التيار الإسلامي- أي الإخواني- إنما هم في النقابات"قلة ناشطة.. ناطقة"أما رجال الحزب الوطني, وأنصار الحكومة, فهم أغلبية حقيقية, ولكنها أغلبية"صامتة"يعوزها التنظيم والتكتل. وتكرر هذا الصوت"الدعيّ"المضحك بعد ظهور نتيجة انتخابات نقابة الصحفيين, بعد أن غرق مرشحو الحكومة, واحترقت ورقة"الملايين الموعودة".
ولهؤلاء أقول: حتي لو صح زعمكم, فلماذا نعرّف الأغلبية"تعريف العوام"أي التعريف العددي? لماذا لا نعرفها تعريفًا قيميًّا? فالأغلبية العددية الصامتة المفرطة المفككة لا قيمة لها لأن وجودها كعدمه. وهنا أذكركم بواقعة تاريخية خلاصتها: أن أحد المسلمين لما رأي جيش الروم لا يقل عن عشرة أمثال جيش المسلمين عددًا, صرخ مفزوعًا"ما أكثر الروم, وأقل المسلمين!!"فصاح خالد بن الوليد بقوة قائلًا:"لا بل قل: ما أكثر المسلمين وأقل الروم, فإن الناس يكثرون بالنصر, ويقلون بالهزيمة"نعم يا خالد بشرط أن يكون النصر نصرًا حقيقيًا.. بلا ادعاء ولا توهم, ولا وهم, ولا إيهام.. ولا تز