فهرس الكتاب

الصفحة 4030 من 27345

وأظهر الصور قديمًا نراها في معركة حطين (583هـ-1187م) , وهي المعركة التي أنزلت بالصليبيين هزيمة ساحقة, فتحت أمام المسلمين أبواب فلسطين كلها, وكانت بداية قوية لانهيار حكم الصليبيين في المشرق العربي, وقبلها وحّد صلاح الدين - تحت راية الإسلام - مصر والشام والعراق والجزيرة. كانت قوات الصليبيين لا تقل عن خمسين ألفًا, وجيش صلاح الدين لا يزيد علي نصف هذا العدد, وتمخضت المعركة عن انتصار ساحق مبين للمسلمين, وقُتل من الأعداء قرابة ثلاثين ألفًا, وأُسر غيرهم آلاف, منهم ملوك وأمراء مثل"الملك غي", والأمير"رينو دي شاتيون". قال ابن الأثير:"وكثر القتل والأسر فيهم, فكان من يري القتلي منهم لا يظن أنهم أسر منهم أحد, ومن يري الأسري منهم لا يظن أنه قُتل منهم أحد", وكان انتصار حطين نقطة انطلاق لجيش صلاح الدين إلي التحرير الشامل, فتم تحرير قلعة طبرية وعكا, ومجد بابا, والناصرة, وقيسارية, وصفا, واسكندرونة, والبيرة, وجبل الجليل, وتل الصافية, وتل الأحمر, والسلع, ويافا, وصيدا, ونابلس, وقلعة نابلس, وسبطية, وتبنين, وبيروت, والرملة, وعسقلان, وغزة, وبيت لحم, وبيت جبريل, والنطرون والخليل, وغيرها من عشرات المواقع والمدن والقري.

إنه العدد الأقل الذي"بارك الله حوله"فغلب - بل سحق- العدد الأكبر {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} [البقرة:249] .

وفي وقتنا الآني الذي نعيشه نري كيف بارك الله حول انتفاضة الأطفال, وجعل حجارتهم أشد لذعًا ولسعًا علي اليهود من الرصاص, وقد رأينا علي شاشة التلفاز كيف يهرول أعداد من الجنود الصهاينة أمام"قذائف الحجارة"من أيدي أطفال الأقصي, محاولين التماس"سواتر"تحميهم من زخات هذه الحجارة, ورأينا ما لا يقل عن عشرة جنود يولون الأدبار في هلع أمام امرأة فلسطينية أرادوا اقتحام بيتها, فرفعت في وجوههم"مذراة"القمح, وهي قطعة خشبية لها أصابع كأصابع الكف يذري بها القمح في الهواء لفصل الحب عن التبن, وعلل بعضهم هربه بأن ما رأه في يد المرأة كان مدفعًا رشاشًا غريبًا له"مواسير"متعددة, وصدق تعالي إذ قال:"ولتجدنهم أحرص الناس علي حياة"وإذ قال:"وما رميت إذ رميت ولكن الله رمي". ومن صور"الحول"الذي باركه الله ما رأيناه من بطل حماس"محمود هنود"الذي استطاع أن يهزم خمسمائة من الجيش الصهيوني, ويقتل ثلاثة من ضباطهم ويجرح آخرين, ثم يفلت بعد ذلك من أيديهم. ورأينا"حماس",

وقد ازدادت قوة وحولا في الجانبين العسكري والسياسي حتى آل إليها قيادة الشعب الفلسطيني بإرادة هذا الشعب . ورأينا ما سجله ويسجله حزب الله من انتصارات باهرة على الجيش الإسرائيلي , وتحطيمه أسطورة"الجيش الذي لايقهر",وكيف استطاع هؤلاء المجاهدون أن يزرعوا الرعب في قلوب الصهاينة , ويدخلوهم الجحور والمخابئ لأول مرة في التاريخ . والأمثلة في هذا المقام أكثر من أن تحصى . وما زالت المقاومة الإسلامية - وقد بارك الله فيها - صامدة تذيق العدو الأمرين ليل نهار .

إنها البَرَكة الإلهية الممتدة التي وسم الله بها"حول"المؤمنين وجهادهم علي مدي العصور ما ثبتوا علي إيمانهم"وكان حقًا علينا نصر المؤمنين". وهذا التفسير - ولا شك- يدفع المؤمنين إلي مزيد من اليقين والثقة في نصر الله, ويفتح أمامهم أبواب الأمل الصادق إلي تحقيق النصر المؤزر المبين.

وأخيرًا: نؤكد للقارئ الحقائق الثلاث الآتية: 1- أن الأقصي في التفسير الثاني يقصد به سكان منطقة الأقصي والمقيمين في فلسطين وما حولها من المؤمنين , وهذا ما يسمي في البلاغة"مجاز مرسل علاقته المحلية", كما تري في قوله تعالي:"فاسأل القرية التي كنا فيها"والمقصود أهل القرية.

2-أن الفعل الماضي قد يُستعمل في القرآن وفي لغة العرب فيفيد المستقبل والديمومة والامتداد , فالبركة متجذرة في الماضي , وممتدة إلي الحاضر والمستقبل إلي أن يرث الله الأرض ومن عليها.

3-أن التفسير الثاني الذي عرضناه أي التفسير القيمي لا يلغي التفسير المكاني للحول فهو الأصل وهو الذي أجمع عليه كل المفسرين على وجه التقريب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت