فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وإذا كانت كلمة التوحيد باب الإسلام؛ فإن توحيد الصفوف سر المحافظة عليه، والإبقاء على مقوماته: والضمان للقاء الله بوجه متهلل، وصفحة مشرقة، والإسلام قد جعل العمل الواحد في حقيقته وصورته مختلفًا في الأجر حين يؤديه الإنسان منفردًا وحين يؤديه مع آخرين، إن صلاة الفجر وصلاة العشاء هي هي لم تزد شيئًا حينما يؤثر المرء أداءها في جماعة عن أدائها في عزلة، ومع ذلك فقد ضعّف الإسلام أجرها، وزاد في ثوابها بضعًا وعشرين درجة، أو يزيد عندما يقف المسلم مع غيره لأدائها بين يدي الله.
وتأمل معي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ[الفرد] بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً] رواه البخاري ومسلم.
وفي هذا: حرص من النبي صلى الله عليه وسلم على الأخوة الإسلامية، والوقوف مع الجماعة، والانضواء تحت لوائها، ونبذ العزلة، ودفع للمسلم إلى الانسلاخ من وحدته والاندماج في أمته.
وانظر معي وتأمل فيما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
[وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيَؤُمَّ النَّاسَ ثُمَّ أُخَالِفَ إِلَى رِجَالٍ[أي: لا يحضرون الجماعة] فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ] رواه البخاري ومسلم. والعرق: العظم إذا كان عليه لحم.. والمرماة: ما بين ضلع الشاة من اللحم.
وفي هذا التهديد من رسول الإنسانية، ومعلم البشرية صلى الله عليه وسلم ما يدعو المسلم إلى الامتزاج بالمجتمع الذي يحيا ويعيش فيه، فشرع الله الجماعة للصلوات الخمس اليومية، ورغب في حضورها وتكثير الخطا إليها.
وشرع الله لأهل القرية، أو الحمى الآهل، أو المصر أن يلتقوا كل أسبوع مرة لصلاة الجمع، وفي كل عيد دعاهم إلى اجتماع أعظم يؤمهم إمام واحد يقوم فيقومون، ويركع فيركعون، ويسجد فيسجدون يتجهون إلى إله واحد.، وإلى قبلة واحدة.
والزكاة تؤخذ من أغنيائهم، وترد على فقرائهم؛ لكي يشعروا جميعًا أنهم جسم واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى] رواه مسلم.
والصيام يوحد بين المسلمين في أوقات الفراغ والعمل، وأوقات الطعام والشراب، ويفرغ عليهم جميعًا صفة الإنابة والرجوع إلى الله [كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ] رواه البخاري ومسلم.
ويرطب ألسنتهم بالتسبيح والتقديس، ويعفها عن الإيذاء والتجريح، ويسد عليهم منافذ الشر والتفكير فيه، ويملأ قلوبهم بمحبة الخير والبر بعباد الله، ويغرس في نفوسهم خلق الصبر الذي هو عدة الحياة.
والحج الذي يضم أشتات المسلمين في المشرق والمغرب، في مكان معلوم هو مكة المكرمة، وزمان معلوم هو أشهر الحج، يطوفون حول بناء واحد وهو بيت الله الحرام، فيكون اللقاء بين أجناس المسلمين أمرًا محتومًا لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ... [28] } [سورة الحج] .
فديننا- والحمد لله- يدعو المسلمين في جميع تشريعاته التي شرعها الله لعباده، وتعبدهم بها يدعوهم إلى التعاون والتآزر، والتعاضد والمؤاخاة ليربط المسلمين جميعًا برباط واحد وثيق، لتكون أمتهم أمة واحدة قوية، تخشى صولتها الأمم، وتحسب حسابها الشعوب، تغضب الدنيا لها إذا غضبت، وتضحك الدنيا لها إذا رضيت، يرهب الأعداء بأسها، ويخطب الأصدقاء ودها.
وهكذا كانت أمة الإسلام من قبل: قوة جبارة وصولة باطشة، وسلطانًا قاهرًا، وقوة غالبة، وحصنًا منيعًا. وذلك طبيعي في أمة تجمعت أفرادها، واتحدت قواها إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ [92] } [سورة الأنبياء] .
وقد حدثنا التاريخ أن المسلمين بوحدتهم، وتجمع صفوفهم استطاعوا أن يدكوا عروش القياصرة والأكاسرة، وأن يطوِّحوا بتيجان الجبابرة.
وإن الأوربيين ما سادوا وخضعت لهم الدنيا، ودان لهم العالم، وأسلمت الحياة قيادها لهم وأصبحوا يهددون أمن المسلمين وسلامتهم، مع خسة في العنصر، ولؤم في الطبع، وإفلاس في الدين، وزيغ في العقيدة، ما وصلوا إلى ذلك إلا بفضل تجمعهم واتحادهم.
فما سادوا بمعجزة علينا ولكن في صفوفهم انضمام