لابد واننا نستطلع تاريخ الأندلس ان ندرس عوامل سقوط هذه الدولة.. لانني اعتقد جازمًا ان دراسة التاريخ ليست قصصًا مجردًا أو لترويج الفكر بقراءة دول الاقدمين وكأن حاضرنا مقطوع الجذور فان الدول تتشابه في نشوءها وهرمها وسقوطها فلو عرفنا العلل التي تصيب الدول فلعلنا نستطيع ان نصحح في حاضرنا ما اخطأ فيه الاقدمون في ماضيهم.
فاي دولة تقوم في التاريخ ولابد لها من عقيدة يؤمن بها افرادها لكي تخلق في نفوسهم حبها والاستماتة في الدفاع عنها ومن ثم قهر اعدائها وتوسعها.. هذا ما عبر عنه ابن خلدون في مقدمته بعنوان العصبية التي قد تكون ناشئة عن القبلية أو الدين وههذا ما نعبر عنه في الوقت الحاضر بالايدلوجية..
فلو اخذنا تاريخ العرب قبل الاسلام لرأينا مثلًا انهم كانوا قبائل مشتتة متحاربة يأكل قويها ضعيفها تفشت فيه العصبية ولكنها على مستوى القبيلة فكان الفكر القبلي قادرًا ان يجمع القبيلة الواحدة أو حليفاتها ولكنه لم يستطع ان يخلق منها امة إلى ان جاء الاسلام وجمع العرب تحت راية التوحيد واستطاع ان يبعث في قلوبهم حب هذا الدين والذب عنه والجهاد في سبيله فخلق منهم امة متآلفة يجمعها هذا الدين.. اي بالتعبير الحديث.. خلق الاسلام لهم الايديولوجية التي استطاعت ان تجمعهم وتوحد جهودهم نحو الهدف وهو اعلاء كلمة الله ونشر كلمة التوحيد فكان ان فتح المسلمون البلاد وقضوا على امبراطورية فارس وشلوا امبراطورية الروم لزمن طويل وكانوا على ابواب فتح اوربا لولا الخلاف والفشل والتنازع الذي ادى بالتالي إلى اندحارهم وتلك سنن التاريخ التي تعم المجتمعات والدول والحضارات.
ولكن اصاب المسلمين ما اصاب غيرهم من الامم فضعفت الحمية الدينية في قلوبهم وركنوا إلى الدنيا وبالتدريج دب الوهن والخلاف والتنازع.
وهكذا نسي المسلمون احكام دينهم وتعاليم قرآنهم وتوصيات نبيهم الواحدة تلو الاخرى.. فتسلط حكام الجور عليهم.. وبالتدريج تحول الجهاد إلى صراع بين الدول والممالك لحفظ الملك فاختل نظام الدولة وبرزت الفتن في كل مكان وتقاتل المسلمون مع بعضهم البعض واستعانوا بالمشركين على المسلمين كما رأيناه في الأندلس مثلًا.
انهم بعبارة أخرى.. ذهبت من نفوسهم الحمية على الدين وركنوا إلى طموحاتهم الذاتية واهدافهم الصغيرة.. ولما لم يكن هناك عصبية أخرى غير الدين تجمعهم.. فقدوا الهدف و غامت عليهم السبل.
وبينما المسلمون في غفلتهم عن ضعفهم وما يكال لهم.. بدأت الامم الاخرى في الظهور والصعود وكانت عصبيتها من نوع اخرى (اي ايديولوجيتها بالتعبير الحديث) فالاسبان على سبيل المثال ظهرت فيهم الروحية القومية مدعومة بالحمية الدينية لتطهير إسبانيا من المسلمين الكفرة (بزعمهم) مضافًا اليها الطمع في الغنائم والاسلاب فاتفقت ممالك الاسبان رغم اختلافها.. جمعتهم عصبية الهدف المشترك والمصالح المشتركة فصاروا قوة كبيرة لم يستطع المسلمون الوقوف في وجهها لأنهم فقدوا حيمتهم لدينهم الذي خلق منهم امة اولًا.. لم يكن كافيًا انهم صاموا وصلوا وقرؤا القرآن.. اذ ان العقيدة وحدها عاجزة عن الصمود إذا لم يكن يساندها الحمية لهذا الدين ولهذا خسر معسكر الإمام علي مثلًا بسبب فشل اهل العراق أمام بغي معسكر معاوية.. وسقطت بغداد امام غزو المغول وخسر المسلمون الأندلس أمام الأسبان وسقطت فلسطين بيد اليهود في عصرنا الحالي.. كل ذلك لنفس السبب فالايمان والحمية لنصرة الدين هو الذي يخلق القوة لتذليل الصعاب ويبعث على تفجير الطاقات وتعثر على السبل لرفع الظلم والحيف ويجد الطريق للاخذ باسباب القوة والمنعة فالمسلمون باختلافاتهم العرقية والقومية والطائفية لا يمكن ان توحدهم عقيدة اخرى غير عقيدة الدين الذي يبعث في نفوسهم الإيمان.. وانا اعني بالدين.. روح الدين التي تبث العقيدة في النفوس ولا اعني دينًا مؤطرًا برأي المدارس الفقهية المختلفة.
لعل المسلمين بالرجوع إلى الايمان يستطيعون ان ينهضوا ويمنعوا ضياع اندلس اخرى واخرى بعد ان اضاعوا الكثير والله المستعان على لم الشعث وجمع الكلمة وتأليف القلوب وما النصر الا من عند الله.
المصادر
* عبد الرحمن بن خلدون: تاريخ ابن خلدون
* سيد امير علي: موجز تاريخ الاسلام
* راي تزفليان: في ظلال الحمراء
* ملاحظات شخصية اثناء رحلتي إلى الأندلس