ولكن التجربة التي بين أيدينا الآن قد أثبتت فشل الاتجاهين الليبرالي والماركسي، وفشل التقليد والاقتباس والتبعية التي وقع فيها عالم الإسلام حين حجب عن نفسه قيمه وتراثه ومفاهيمه، واتخذ أسلوبًا وافدًا في مجال القانون والتربية والاقتصاد والسياسية، ولم يتبين له فشل هذا الأسلوب إلا بعد أن ظهرت نتائج قاسية من الهزيمة والنكبة والنكسة؛ حيث تبين أن المسلمين قد عاشوا في خدعة بالغة شديدة حين تابعوا بغير تقدير وروية ذلك المنهج الوافد وغابت عنهم حيطة الأصالة والذاتية، حتى كادوا يفقدوهما، ولم يكن أسلوبهم هو أسلوب البناء على الأساس الصحيح، مع الانتفاع بخيرات الآخرين وتجاربهم، ولكن كانت تبعيتهم قد حالت دون تبين أي وجه للمنابع الأصيلة الأولى التي هي مصدر وجودهم وكيانهم، ومن هنا فقد قاسوا الأمور بمقاييس وافدة حجبت عنهم الرؤية الحقيقية وجوهر الأشياء والطريق الأصيل، فلم يلبث الجيل كله أن وقع في الأزمة الخانقة، والحيرة المظلمة، وقع في"مدلهمة عمياء"هي بمثابة نقطة تحول شديدة، وموقف حاسم، لا سبيل إلى تجاوزه إلا بإعادة النظر في كل تلك المسلمات والأساليب والمناهج التي لم تكن صالحة أساسًا لليقظة أو للنهضة، والتي حاولت أن تقضي على النبت الحقيقي الذي كان قد حمل لواء اليقظة منذ أكثر من قرن ونصف قرن من الزمان، حين أنشأ التغريب"دائرته المغلقة"وشكل فيها أولئك الذين أسماهم قادة الفكر والثقافة والتربية والتعليم في سنوات الهزيمة والنكسة والذين جاءت على أيديهم تلك النتائج المفزعة الخطيرة.
ومن ثم فإن الماركسية ليست وحدها التحدي الأوحد وإن كانت هي أبرز التحديات التي تواجه عالم المسلمين اليوم: ذلك لأن الأفكار التي طرحتها خلال السنوات العشرين الأخيرة ما تزال تحتاج إلى تنفيذ وتمحيص وكشف عن سمومها وتعريف بزيفها ورفع لها من عقول الناس وقلوبهم.
غير أن الوقوف عندها والاقتصار عليها يفوت على المسلمين خطرًا ويفسح للقوى التغريبية المجال في ميادين أخرى كثيرة. والمعروف أن الليبرالية والماركسية مؤسسات واضحة ظاهرة يسهل التعرف عليها ومواجهتها ولكن جهدًا كبيرًا يجب أن ينفق لمواجهة المؤسسات الخفية المتسترة تحت أسماء العلوم والثقافة: وأخطرها الفرويدية والوجودية ومدرسة العلوم الاجتماعية.
وهي مدارس تسيطر عن طريق الجامعة، والثقافة والصحافة، وتدخل في مجال الدراسات العلمية كأنها رافد من روافد الفكر الإنساني بينما هي في حقيقتها أشد خطرًا من الماركسية والليبرالية على السواء.
لقد تبين لعالم الإسلام أن التجربة السياسية أو الاقتصادية الغربية أو الماركسية كلتاهما قد لقيت الفشل الذريع، ولم تقبلهما النفس العربية الإسلامية، وقد وجدت فيهما تضادًا بينها وبين قيمها ومفاهيمها وذاتيتها. وقد أثبتت تجربة التطبيق السياسي الاقتصادي فشل المذهبية وعجزهما عن العطاء في المجتمع الإسلامي، ولكن هناك مذاهب ما تزال تتحرك في داخل المجتمع والنفس والأخلاق والتربية تكاد تكون كالمسلمات اليوم من شأنها أن تفسد بناء شخصية الإنسان المسلم على النحو الذي يجعله أهلًا للطابع الإسلامي الصحيح.
إن لنا في المجال العام: أمرين مازالا مضيعين: هما التربية الإسلامية والشريعة الإسلامية، وهما يفسحان المجال لشر كثير يأتي من ناحية المدرسة والمصرف والأسرة، ولابد من إجراء تغيير كبير بشأن تحقيق هذين الأمرين.