ومن هنا فقد كانت الدعوة إلى -البناء على الأساس- هي المنطلق الحقيقي لمواجهة الوافد وفرزه ومراجعته ونقده، هذه القاعدة التي يجب إقرارها أساسًا. ثم استئناف حركة الربط بين القديم والجديد والماضي والحاضر والشرق والغرب في ضوئها.
ولما كان الفكر العربي الإسلامي على مر العصور متفتحًا على مختلف الثقافات والأمم؛ فقد كان ملازمًا ذلك على طول هذا التاريخ قيام قاعدة أساسية ثابتة صامدة راسخة، هي التي تحمي الفكر والأمة من الذوبان والتحلل والتميع والانهيار.
ولما كانت صيحة الغزو الثقافي قد واجهت الفكر الإسلامي منذ اليوم الأول حين حاول عبد الله بن سبأ إخراجه من قيمه ومفاهيمه الأساسية، وتابعه على الطريق عبد الله بن المقفع ومن جاءوا بعده من الباطنية والشعوبية، وفي مقدمتهم -إخوان الصفا- فقد كان إقراره هذه القاعدة، قاعدة الأساس هي صمام الأمن في انطلاق الفكر الإسلامي وتطلعه إلى التطور والحركة.
ولقد عملت دعوة التغريب منذ اليوم الأول لتطويق ما عجزت عنه الحركة القديمة، واصطنعت نفس شبهاتها وإن كانت تحمل من الأساليب والأدوات ما هو أشد نفاذًا وأقوى وأعنف في سبيل زلزلة قوائم هذا الفكر وقواعده، رغبة في تذويبه في أتون الفكر الغربي، أو احتوائه على الأقل ودفعه إلى طريقة التبعية والعبودية للفكر الغربي.
ومن هنا فإن -الأصالة- لم تعد في الحق عاملًا موازيًا لعامل -الجديد- ليقوم الصراع بينها، ولكنها: هي قاعدة الأساس في البناء، ثم يقوم الاختلاف فيما فوقها حول التجديد أو المحافظة وحول الترجمة أو البعث، وحول مختلف القضايا التي تُثار من أجل تحرير الفكر العربي الإسلامي وتطويره ودفعه إلى الأمام، وإعطاء طبيعة الحركة لمواجهة المعاصرة والحدثية والتجدد.
ومن الحق أن الفكر الإسلامي له قوانينه الطبيعية التي تنظم له أمر تطوره وأمر حركته وأنها من قوانين أصيلة صحيحة مستمدة من جوهره، وقد كانت دائمًا حاضرة أم تتخلف، وكانت قادرة دومًا على أن تمده بالتجديد والقدرة على الحركة والمواءمة مع الصور والحضارات والبيئات، دون أن يكون في حاجة إلى وصاية من فكر آخر، أو ثقافات أخرى لها أساليبها وقوانينها في التطور والحركة.
ولما كان الفكر العربي الإسلامي عميق الجذور، وبعيد الأعماق في التاريخ، وقد أمضى اليوم خمسة عشر قرنًا حيًا متألقًا متفاعلًا، مع الأزمنة والبيئات وقادرًا على المواءمة والاستجابة فإنه ليس في حاجة لأن تصطنع له مناهج أو أساليب تستحدث من الثقافات الأخرى على النحو الذي يحاوله جاك بيرك أو مَن تابعوه دون إلقاء نظرة أوسع على الفكر الإسلامي في رحابته وأصالته وسعة آفاقه وعمق تراثه وبراعة مضامينه. وقاعدة الأساس في الفكر الإسلامي بسيطة سمحة غير معقدة وهي لا تخرج عن كلمة واحدة هي التوحيد، فلكل ما يصدم التوحيد يتعارض مع الفكر الإسلامي ويخالف مصادره الأساسية وهي الإسلام والقرآن وأن مراجعة يسيرة للتحديات والشبهات والأخطار التي تحشد لمواجهته وتحديه لا تخرج عن تراث وثني يوناني معارض كل المعارضة لطابع التوحيد، فأساس البناء هو التوحيد وهو مفرق الحق والباطل والحكم فيما يقبل ويرد.
فالتوحيد هو طابع الذاتية العربية الإسلامية وقوام المزاج النفسي والاجتماعي، فالأصالة هي التوحيد، والوثنية هي التبعية .. وكل المفاهيم والفلسفات والمناهج والنظريات التي ردها الفكر العربي الإسلامي في جولة الغزو الثقافي الأولى والقائمة اليوم، هي مفاهيم الوثنية المتمثلة في بعض مفاهيم التفسير المادي للتاريخ، والوجودية والتفسيرات النفسية والاجتماعية والتربوية التي تقوم على أساس إنكار الدين وشجب الأخلاق وإنكار المسئولية الفردية والبعث والجزاء.
فالفكر الإسلامي يقيم دعائمه التي تصدر عنها ثقافاته ومفاهيمه وقيمه على أساس الترابط بين العمل والمسئولية، وبين الروح والمادة، والعقل والقلب، والدنيا والآخرة. فإذا انفصل هذا الترابطـ، سقط هذا الفكر في الوثنية وواجه ذلك الخطر الخطير الذي يدمر الفكر العربي والنفس العربية والحضارة العربية ويوقعها في أشد أزماتها خطرًا.
والفكر الإسلامي يقيم قاعدته على أساس التوحيد والنبوة والإيمان بالغيب والبعث والجزاء ولا يناقض نفسه في هذه الترابط الأكبر بين علمي الغيب والشهادة، وبين الدنيا والآخرة، وبين المسئولية الفردية والحساب الأخروي.
وتلك عقدة العقد في -الأصالة ومقومها الأساسي- فإذا تقررت على هذا النحو وهي مفرزة فعلًا لا سبيل إلى تجاوزها أمكن إقامة التوازن بين الجديد والقديم والماضي والحاضر والشرق والغرب.
أنور الجندي