فهرس الكتاب

الصفحة 4107 من 27345

سأعطي ثلاث أمثلة فقط، من بين كثير من الأمثلة التي يمكن إيرادها، على النماذج التي يمكن أن يدلل بها المسلمون على قدرة الإسلام وسبقه في تاريخ الإنسانية لمعالجة أعقد قضايا المعاش والأخلاق، ودوره في تحديد اتجاهات التطور للمجتمعات الإنسانية بصفة عامة وليس الإسلامية وحدها.

النموذج الأول هو موقف الإسلام من العلم. إن استعراض تجربة المسلمين في العلم، سواءً في نصوص القرآن والسنة، أو في التجليات والتطبيقات العملية لتلك النصوص خلال الفترة التي سادت فيها مساهمات الحضارة الإسلامية، تعطي سندا قويًا لمن يقول بإمكانية التحديث في إطار من الالتزام الديني والأخلاقي.

النموذج الثاني هو موقف الإسلام من تنظيم علاقة المجتمع بالدولة ومن الرشد السياسي المؤسس على قواعد الشورى وقوامة المجتمع على الحكام، أو إن شئت جملة القضايا التي تطرحها الديمقراطية في العصر الحديث. صحيح أن التجربة الإسلامية العملية في جملتها لا تقدم أمثلة جيدة في هذا الصدد، فيما عدا عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين من بعده. لكن النصوص الإسلامية تمثل نقلة كبيرة من الواقع العالمي السائد آنذاك والذي كانت سمته الوحيدة هي البطش والملك العضوض، وهو عين ما حذرت منه النصوص. إن المنهج الذي اختير به عثمان، رضي الله عنه، وحده، أحدث طفرة غير مسبوقة في اتجاه الإنسانية نحو الرشد السياسي. يتضح ذلك بصورة أجلى إذا نظرنا إليه في سياقه التاريخي مقارنين بينه وبين تخلف المناهج السياسية السائدة في الحضارات العالمية آنذاك رغم أنها كانت ترى نفسها في موقع الصدارة الأخلاقية آنذاك.

النموذج الثالث هو موقف الإسلام من الحقوق والحريات. هنا أيضًا تقدم النصوص والتجربة الإسلامية كليهما نماذج غير مسبوقة في التاريخ في اقتلاع الموانع أمام الحرية وفي محاصرة الرق، وإزالة المظالم عن المرأة والضعفاء في المجتمع، وفي تحقيق العدالة الاجتماعية. ومكتسبات الإسلام ههنا ينبغي النظر إليها أيضًا على خلفية النظم العالمية التي سادت آنذاك والتي كرست نقيض ما جاءت به التجربة الإسلامية من مكتسبات للإنسانية.

هذه النماذج الثلاث وحدها تثبت دور الإسلام في التأثير القوي على التطور الإنساني. وقد استطاع المسلمون إحداث ذلك الأثر على خلفية ضعف مادي معلوم إذا ما قورنوا بالمجتمعات المستقرة من حولهم، لكن مصدر قوتهم الحقيقي كان معنويًا تمثل في قوة أفكارهم وقوة إيمانهم بها. لقد أتاحت مناهج الإسلام النظرية وتجاربه العملية فرصة لانعتاق البشرية وتحررها فأقبلت إليه الشعوب أفواجًا تطلب لديه الخلاص. وقد صاغت جملة التجارب تلك نموذجًا فريدًا للتحديث بمقياس عصرها. وقد نجح ذلك النموذج في مقاربة مشكلات الإنسانية لأنه استطاع أن يوائم بين مقتضيات الحداثة وتعاليم الدين، فجمع بذلك بين طاقة الدفع التي يوفرها الدين واتجاهات الدفع المتجددة التي يوفرها التحديث. فكانت التجربة الإسلامية هي التي تفرز قضايا الحداثة ثم توفر لها الإجابات، كانت تطرح تحديثها الخاص بها، لكنها تغير به وجه العالم بتوليدها لقضايا جديدة وحلول ناجعة. واليوم تتيح عالمية قضية التحديث فرصة ثانية للمسلمين لقيادة الحوار العالمي ولطرح قضية التحديث من منظورهم وبمعطياتهم، بل تتيح لهم أن يتفوقوا في طرح مضامين جديدة للتحديث نابعة من تعاليم دينهم تدعو إلى تحرير الإنسان بمنهج العلم وقيم الخير في عالم أخذت تسوده دورة متجددة من الطغيان والعدوان والظلم.

*بحث مقدم ضمن اوراق مؤتمر الإسلام والغرب في عالم متغير.

* مستشار رئيس الجمهورية- السودان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت