وهذا لا يعني الرفض أو تسميته بالبدعة أو الإحداث كما يرى البعض من المسلمين"إن فكرة حقوق الإنسان بتسميتها وفلسفتها ومضامينها المتداولة اليوم، هي فكرة غربية وثقافة غربية"ولكنها"تعد تطورًا إيجابيًا نوعيًا في تاريخ البشرية التواقة دومًا إلى عديد من الشعارات والنداءات والمكتسبات التي جاءت بها حركة حقوق الإنسان الحديثة." (أحمد الريسوثي، كتاب الأمة، عدد 87) .
وهناك قد يرى أن الإسلام أسبق في إقرار حقوق الإنسان وذلك من خلال رؤيته أن"مقاصد الشريعة.. أساس لحقوق الإنسان"في هذا المختصر، فحفظ الدين يضمن حق التدين، وحفظ النفس يضمن حق الحياة، وحفظ العقل يضمن حق التفكير وحرية الرأي والتعبير، وحفظ العرض أو النسل يضمن حقوق الأسرة، وحفظ المال يضمن حق التملك (محمد الزميلي، كتاب الأمة، عدد 87) .
ومن المسلمين من يرى أن حقوق الإنسان في الثقافة المعاصرة من مزايا العصر، ويدعو إلى الأخذ بها جملة برمتها.
وكما أن البعض كما ذكرت يجعل من فكرة حقوق الإنسان غربية وثقافة غربية فهناك من يقول: (ليس صحيحًا ليس مفهوم حقوق الإنسان غربيًا خالصًا أو أنه غريب عن تاريخنا وثقافتنا، فإن حلف الفضول يمثل أحد معالم التطور التاريخي لحقوق الإنسان كما أنه ربما أول جمعية للدفاع عن هذه الحقوق(د. علي الدين هلال، في صحيفة أردنية يومية) .
وكما ألمحت سابقًا فإن العقل البشري يظل قاصرًا وضعيفًا وقد تتحكم فيه مصالح وانفعالات في ظرف ما وتحت مؤثرات معينة، وهذا لا يعني أن ينعدم الجهد البشري الإنساني من كل صواب أو خير أو حق أو إرادة وسعي لذلك، فلا إفراط ولا تفريط، الحكمة ضالة المؤمن وكما قال عليه الصلاة والسلام:
"نحن أولى بموسى منهم".
فهذا منهج في التعامل مع المنجز البشري، نأخذ الحق والصواب نحافظ عليه ونحفظه ونزيده حسنًا وبهاء وجمالًا وننفي الخبث ولا بأس من التقاطع مع الآخرين بما يفيد الإنسانية.
من الظلم للإسلام أن يقارن بغيره ولكن بعض البيان لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
إن نظرة خاطفة تظهر كم أعطى الإسلام للإنسان وكيف يتعامل معه، فمن خصائص الإسلام الإنسانية أنه دين الإنسان والقرآن، وهو كتاب الإنسان، ولو تتبعنا ورود كلمة (الإنسان) في القرآن الكريم لوجدنا أنها تكررت ثلاثًا وستين مرة، وتكررت (بني آدم) ست مرات وكلمة (الناس) تكررت مائتين وأربعين مرة، وأن أول ما نزل على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم سورة العلق ذكر فيها الإنسان مرتين:
(خلق الإنسان من علق.. علم الإنسان ما لم يعلم) .
فالوجهة والخطاب للإنسان كونه إنسانًا دون تمييز فخلقكم من نفس واحدة:
(وما أرسلناك إلا كافة للناس) .
(كلكم لآدم وآدم من تراب) .
"ليس لعربي على أعجمي ولا لأعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى".
إنها الوحدة الإنسانية والنفس الواحدة:
(من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا) .
فالإسلام يحترم الإنسان لأنه إنسان حرم إيقاع الظلم عليه بأي وسيلة وأي سبب:
"إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا فلا تظالموا" (حديث قدسي) .
ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب مهما كان نوع أو جنس أو لون أو دين هذا الواقع عليه الظلم.
هذه النظرة للإنسان عند المسلمين دين وثقافة وإيمان وقيم، لا يجادلون فيها ولا يتجاوزونها.
أما من انتكست فطرتهم وارتكست طبيعتهم وأرضعوا الحقد والبغضاء والتعالي والاستكبار فإنهم لا يقيمون للمعنى الإنساني وزنًا إذا كان الإنسان غير ذاتهم العنصرية:
(ليس علينا في الأميين سبيل) .
(إنما أهلك من كان قبلكم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، فوالذي نفسي بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها) .
الهوامش:
(1) الإنسان: الآية 2
(2) البقرة: الآية 28
(3) إبراهيم: الآية 22
(4) البقرة: الآية 21
(5) طه: الآية 114
(6) إبراهيم: الآيتين 32، 33
(7) الإسراء: الآية 70
(8) النساء: الآية 28
(9) إبراهيم: الآية 34