طبع معاوية وشخصية عمرو بن العاص
في حوار خاطف سريع بين معاوية بن أبي سفيان وبين عمرو بن العاص نستطيع ـ من تحليل السياق والوقوف على المآتي والمصادر والحوافز النفسية والخوالج المطمورة في مطاوي السريرة ـ أن نستخلص الطبع والشخصية وإمكاناتها وأبعاد القدرات الخاصة، سيما الميتافيزيقية، وهي ما وراء الظواهر التي تلوح عن الخواطر والبوادر ولكن تكمن وراء أسجافها وستورها ألغاز وحوافز أو كوابح غامضة أو خفية محجوبة.
قال معاوية: ما بلغ من أمرك يا عمرو؟.
قال عمرو: يا أمير المؤمنين، ما دخلت في أمر إلا وخرجت منه...
قال معاوية: لكني ما دخلت في أمر، وأردت الخروج منه.
ونقول: إن شخصية عمرو بن العاص تلوح ركائزها وعمق جذورها الراسخة المكينة من خلال هذه الفقرة المحدودة، إذ إن النكرة في سياق النفي تفيد العموم، على ما ذكر علماء النحو.
وقوله: ( ما دخلت ) نفي.
وقوله: ( أمر ) نكرة، وهذه النكرة المسوقة في إطار النفي أفادت العموم لأجل ذلك، ومفاد هذا: أنه في أي أمر ( على العموم والإطلاق) مهما كان شأنه ما دخل فيه عمرو بن العاص إلا وخرج منه. وهذا يدل على قوة العارضة والثقة الفارطة بالنفس. وحدة الذكاء، وحضور البديهة واليقظة التامة، كلها من مقومات تلك الشخصية التي لا تبالي أي الأمور تنخرط في أتونها، فهي مستعدة لاستدعاء كل طاقتها وكوامن قدراتها للخروج من المآزق المتوقعة والمروق من الكوارث والإفلات الخاطف من أية نازلة أو نائبة في أي وقت في أي مكان وفي أي زمان: وكذلك كان عمرو بن العاص حقًا، وبذلك طارت شهرته في الآفاق كأحد دهاة العرب...
أما معاوية رضي الله عنه فكان من الطبع اللمفاوي، الذي يتروى ويستشير، ويستأنس بآراء المقربين منه وغير المقربين من أهل الرأي الموثوق بهم... فهو إذا دخل في أمر ( لا يريد ) الخروج منه لأنه اختاره بإرادته الحرة الواعية، ولا يتم ذلك إلا بعد مشاورة واستئناس ودراسة وتقويم لكل الأخطار المتوقعة واستحضار كل البدائل والممكنات... ومن ثم يكون مطمئنًا نمامًا لأن هذا الاختيار هو أفضل وأنسب اختيار ولا يسد مسده أو ينوب عنه اختيار آخر... من ثم، فلا موجب ولا مدعاة للتفكير في إرادة الخروج منه بعد دراسة الجدوى بجدية وتقويم.
كلا الرجلين له طبعه وله شخصيته، وكلاهما واجه التاريخ بصفحة حافلة من الأحداث الجسام التي تتآزر جميعها على التأكيد على ما ذهبنا إليه من تحليل طباعي لكلا العملاقين من الصحابة... فرضي الله عنهم أجمعين.
[1] - توضح الآيات قوة موسى وشدة غضبه الذي تمثل في ثورة عارمة إذ أخذ بلحية أخيه ورأسه.
[2] - راجع ما حرره العلماء في تفسير القرطبي وروح المعاني للإمام الألوسي 9/66 ـ 68
[3] - راجع القرطبي والطبري والكشاف للزمخشري.
[4] - قال ابن عباس: لما رجع موسى من المناجاة غضبان لعبادة قومه العجل أعجلتم أمر ربكم بانتظار موسى حتى يرجع من الطور وألقى الألواح وهي ألواح التوراة من شدة الضجر والغضب ألقى الألواح وأخذ بشعر رأس أخيه هارون ولحيته ويجره إليه ظنًا منه أنه قصر في كفهم عن ذلك. راجع تفسير الطبري 13/123 وروح المعاني 9/66 وما بعدها.
[5] - يلاحظ قوة غضب موسى ووهن هارون وضعفه وتوسله واستشفاعه لأخيه بالرحم الماسة الميلولة ليكف عنه.
[6] - ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح.
[7] - على ما ورد في لسان العرب لابن منظور 7/273 ، 274 وما بعدها، وهو منقول عن القرطبي أيضًا في تفسيره 13/ 260، 261 .
[8] - وهذا مؤدى قوله تعالى: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا 17 [النساء] . راجع ما قاله الفخر الرازي في التفسير الكبير 9/ 235 .
[9] - قال الإمام الطبري 20/31 وابن عباس: أو أن يبطش بالقبطي الفرعوني فظن الإسرائيلي الذي هو من شيعته أنه يريده. ولكن ورد عن الحسن أن الصارخ المستغيث هنا هو القبطي. تفسير القرطبي 13/265 ، ولكن المختار عند الطبري أولى.
[10] - وإلا فكيف نفسر قول موسى للإسرائيلي: إنك لغوي مبين ، ويقر بهذا تصريحًا وتأكيدًا، ثم يريد أن يبطش بعدوه مع كل هذا؟؟!!.
[11] - هوى: هلك، وقيل: شقى. وقيل: هوى: أي: سقط من قصر في جهنم، يهوي الكافر من أعلاه في جهنم أربعين خريفًا. راجع تفسير ابن كثير 3/161 .
[12] - راجع التفسير الكبير للرازي 22/214، والقرطبي 11/329، وجامع البيان للطبي 17/61. وقال الرازي 2 /15: دخل ابن عباس على معاوية، فقال له معاوية: يظن نبي الله يونس أن لن يقدر الله عليه؟! قال ابن عباس: هذا من القدر لا من القدرة هـ . بتصرف.
[13] - التفسير 4 /118.
[14] - حاشية الصاوي على الجلالين 4/40 وانظر الزمخشري في الكشاف 3/472 وفيه: لا يقول الغضب أحلام.