وللخلية الحية مصادرها المختلفة من الطاقة , ومصانعها , ومختبراتها , ومحطات التكرير الخاصة بكل منتج تنتجه , ووسائل الانتقال المحددة بداخلها , ولها شفرة وراثية شديدة التعقيد يضم الصبغي الواحد من بين 46 صبغيا في الخلية الواحدة من خلايا جسم الإنسان 6 و 18 بليون قاعدة كيميائية , وكل ذلك ينفي الصدفة , ويؤكد الخلق المتقن , والتدبير الحكيم الذي لا يقوي عليهما إلا رب العالمين .
وإذا استحالت الصدفة علي ايجاد خلية حية واحدة , فالأمر أشد استحالة بالنسبة للكائن الحي الكامل , وهو أبلغ بالنسبة إلي الإنسان الذي يتكون جسده في المتوسط من ألف مليون مليون خلية , تنتظمها أنسجة متخصصة , في أعضاء متخصصة , في أجهزة متخصصة , تعمل كلها في توافق عجيب يخدم هذا الجسد المكرم , ولذلك قال ربنا ( تبارك وتعالي ) :
ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو علي كل شيء وكيل ( الأنعام:102)
.. قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار ( الرعد:16)
الله خالق كل شيء وهو علي كل شيء وكيل ( الزمر:62)
ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فاني تؤفكون ( غافر:62)
هو الله الخالق الباريء المصور له الأسماء الحسني يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ( الحشر:24)
فإذا قال هذا الخالق الباريء المصور أنه خلق الإنسان من تراب , أو من طين , أو من طين لازب , أو من سلالة من طين , أو من صلصال من حمأ مسنون , أو من صلصال كالفخار فلا يملك المؤمن بالله ( تعالي ) إلا أن يقول آمين , لأن هذا هو الخالق يتحدث عن خلقه , ومن أدري بالخلق من خالقه !!
وإذا خلق الله ( تعالي ) عبده ورسوله عيسي ابن مريم من أم بلا أب بأمره فهو نفس الأمر الإلهي بـ كن فيكون الذي خلق به آدم من تراب . والإنسان ـ في ضعفه ـ قد استطاع استنساخ عدد من الحيوانات من أم بلا أب فهل يعجز ذلك خالق الإنسان؟
والخلق من تراب ينطبق في الحالين: حال أبينا آدم ( عليه السلام ) الذي بدأ الله ( تعالي ) خلقه من تراب وكان جميع نسله في صلبه لحظة خلقه ومنهم عبد الله ورسوله عيسي ابن مريم . كما ينطبق الخلق من تراب علي المسيح عيسي ابن مريم نفسه لأنه نشأ من بيضة أمه الموروثة عن أبوينا آدم وحواء ( عليهما السلام ) وتغذي وهو جنين علي دمائها المستمدة من غذائها وهو مستمد من عناصر الأرض , وتغذي وهو رضيع علي لبنها , وهو مستمد من نفس المصدر , وتغذي بعد ذلك علي نباتات الأرض , وعلي منتجات المستباح من حيواناتها , وكل ذلك مستمد أصلا من عناصر تراب الأرض ومائها وهوائها ولذلك قال ربنا ( وهو أحكم القائلين ) :
إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ( آل عمران:59)
ولا يملك عاقل أن يقول بعد كلام الله الخالق الباريء المصور قولا ...!!
ولعل في ذلك ما يرد نفرا من أبناء المسلمين الذين فتنوا بالغرب ومنجزاته , وانبهروا بمعطياته المنطلقة من بوتقة الكفر والشرك والإلحاد , فتحدثوا عن التطور العضوي وزينوه في عقول نفر من غير المتخصصين , ومن المنهزمين نفسيا أمام الحضارة الغربية المزيفة فانطلقوا بخيال جامح يؤولون كلام الله تأويلا مرفوضا , وينكرون نصوصا قرآنية كريمة , وأحاديث نبوية شريفة قطعية الثبوت , قطعية الدلالة , وهم يعلمون جيدا حكم من ينكر معلوما من الدين بالضرورة , فافترضوا ـ دون أدني دليل علمي أو منطقي وجود بشر قبل آدم , والنصوص القرآنية الكريمة والنبوية الشريفة لا تفرق بين الآدمية والبشرية .
ويبقي في قول ربنا ( تبارك وتعالي ) :
إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون ( آل عمران:59)
يبقي في ذلك سبق علمي حقيقي أثبتته الدراسات المتأخرة في علم الوراثة والتي أكدت أن انقسام الصبغيات الحاملة للشفرة الوراثية ينتهي بنسب بلايين الأفراد الذين يعمرون أرض اليوم , والبلايين الذين جاءوا من قبلنا ثم ماتوا , والذين سوف يأتون من بعدنا إلي قيام الساعة , هؤلاء جميعا ينتهي نسبهم إلي أب واحد وأم واحدة هما أبوانا آدم وحواء ( عليهما السلام ) ولما كان عيسي ( عليه السلام ) من نسل آدم , مخلوق من تراب فان جسد عيسي ابن مريم يحوي بالقطع جزءا من التراب الموروث عن أبيه آدم , وقد غذي بدم ولبن أمه وهو أيضا مستمد من عناصر تراب الأرض , فهو من تراب كما خلق أبوه آدم من تراب . كذلك أثبتت محاولات الاستنساخ في النبات والحيوان إمكانية انتاج جنين من أم بلا أب , وإذا استطاع الإنسان ـ علي ضعفه ـ تحقيق ذلك فإنه لا يعجز خالق الإنسان ..!!