قال الله تعالى:? إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ?. [البقرة:173] ، وقال تعالى: ? حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ والنطيحة وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ?. [المائدة: 3 ] ، من هاتين الآيتين فهم ويفهم المسلمون أن الميتة- وهي اسم لما فارق الحياة من غير ذكاة شرعية- يحرم أكلها بأمر من الخالق الذي خلق الخلق وأمرهم بما يصلحهم في الدنيا والآخرة القائل:?هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ?. [النجم: 32 ] , يقول القرطبي:"الميتة: ما فارقته الروح من غير ذكاة مما يذبح, وما ليس بمأكول فذكاته كموته كالسباع وغيرها" (11) ، وقال الألوسي:"أي أكلها والانتفاع بها وأضاف الحرمة إلى العين مع أن الحرمة من الأحكام الشرعية التي هي من صفات فعل المكلف وليست مما تتعلق بالأعيان إشارة إلى حرمة التصرف في الميتة وهي التي ماتت من غير ذكاة شرعية من جميع الوجوه" (12) ، وجاء في التحرير والتنوير ما نصه:"الميتة هنا عام؛ لأنه معرف بلام الجنس فتحريم أكل الميتة هو نص الآية وصريحها لوقوع فعل (حرم) بعد قوله ?كلوا من طيبات ما رزقناكم ? وهذا القدر متفق عليه بين علماء الإسلام" (13) . وقال الشوكاني:"قوله:?المنخنقة? هي التي تموت بالخنق: وهو حبس النفس سواء كان ذلك بفعلها كأن تدخل رأسها في حبل أو بين عودين أو بفعل آدمي أو بغيره وقد كان أهل الجاهلية يخنقون الشاة فإذا ماتت أكلوها،وقوله:?والموقوذة? هي التي تضرب بحجر أو عصا حتى تموت من غير تذكية،وقوله:?الْمُتَرَدِّيَةُ?هي التي تتردى من علو إلى أسفل فتموت من غير فرق بين أن تتردى من جبل أو بئر أو مدفن أو غيرها والتردي مأخوذ من الردى وهو الهلاك وسواء تردت بنفسها أو تردت بفعل غيرها، وقوله: ? والنطيحة? هي فعيلة بمعنى: مفعولة، وهي التي تنطحها أخرى فتموت من دون تذكية، وقوله: ?مَا أَكَلَ السَّبُعُ?أي ما افترسه ذو ناب كالأسد والنمر والذئب والضبع ونحوها، والمراد هنا: ما أكل منه السبع لأن ما أكله السبع كله قد فني،وقوله:? إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ ?أي حرمت عليكم هذه الأشياء لكن ما ذكيتم فهو الذي يحل ولا يحرم" (14) .
فما مات بأي طريقة من هذه الطرق التي ذكرها القرآن ولم يذكَّ الذكاة الشرعية فقد حرم القرآن أكله, هذا هو الذي عليه العمل عند أهل الإسلام وهو الذي يدينون به لربهم عز وجل .
التفسير العلمي لتحريم أكل الميتة:
رأينا فيما تقدم أن الميتة التي فقدت روحها من غير تذكية شرعية يحرم على المسلمين أكلها أو حتى الانتفاع بها، بقي أن نعرف حكمها عند العلماء المختصين. يقول الدكتور يوسف عبد الرشيد الجرف:"القاسم المشترك الذي يجمع بين تحريم القرآن الكريم للدابة المنخنقة التي خنقت فماتت وبقي دمها في جسمها، والموقوذة التي ضربت بآلة حادة فماتت، والمتردية التي وقعت من عال فماتت بصدمة عضلية، والنطيحة التي نُطحت، هذه الأربعة أنواع من الدواب التي حرم الله أكلها يجمعها قاسم مشترك واحد، هو أن الدم بقي في جسمها" (15) . ويقول الدكتور جون هونوفر لارسن (16) :"الميتة مستودع للجراثيم، ومستودع للأمراض الفتاكة، والقوانين في أوربا تحرم أكل الميتة.كما يقول: إن قوانيننا الآن تحرم أكل لحم الحيوان إذا مات مختنقًا. حيث اكتشفنا مؤخرًا أن هناك علاقة بين الأمراض التي يحملها الحيوان الذي يموت مختنقًا وبين صحة الإنسان. حيث يعمل جدار الأمعاء الغليظة للحيوان كحاجز يمنع انتقال الجراثيم من الأمعاء الغليظة - حيث توجد الفضلات - إلى جسم الحيوان والى دمه طالما كان الحيوان على قيد الحياة. ومعلوم أن الأمعاء الغليظة مستودع كبير للجراثيم الضارة بالإنسان، والجدار الداخلي لهذه الأمعاء يحول دون انتقال هذه الجراثيم إلى جسم الحيوان، كما أن في دماء الحيوان جدارًا أخر يحول دون انتقال الجراثيم من دم الحيوان، فإذا حدث للحيوان خنق فانه يموت موتًا بطيئًا."